• آخر تحديث: الثلاثاء 03 نوفمبر 2026 - الساعة:19:19:51
آخر الأخبار
أخبار وتقارير
حين يصبح القبر جزءاً من الاستعداد للمعركة .. الجنوبيون يحفرون القبور لمواجهة الحوثي..
تاريخ النشر: الثلاثاء 03 نوفمبر 2026 - الساعة 19:19:51 - حياة عدن / غازي العلوي :

في الجنوب أرض تقاتل.. وقبور تنتظر

الحوثي يستحضر ذاكرة الحرب.. والجنوب يستعيد جاهزية المواجهة

أمنجدة تروي حكاية قرية قدمت أبناءها واحتضنت النازحين

 

 

تقرير /غــازي العــلوي :

 

في مشهد تختلط فيه مشاعر الفخر بالحزن، وتتجسد فيه أقسى صور الاستعداد للتضحية، أقدم عدد من شباب قرية أمنجدة بمديرية لودر في محافظة أبين على حفر قبور بأيديهم، تحسباً لاستشهادهم خلال مشاركتهم في مواجهة مليشيا الحوثي، في خطوة تختزل حجم الاستعداد النفسي والمعنوي لدى مقاتلين قرروا المضي في طريق المواجهة، واضعين احتمال الموت في حساباتهم قبل خوض المعركة.

 

لم يكن حفر القبور مجرد تصرف عابر أو مشهد استثنائي، بل حمل دلالات عميقة عن واقع الحرب التي عاشها الجنوبيون، وما خلّفته من تضحيات بشرية جسيمة، وعن جيل تشكل وعيه في ميادين القتال، وأصبحت لديه قناعة بأن الدفاع عن الأرض والكرامة قد تكون له أثمان باهظة، يدفعها المقاتل من حياته.

 

تضحيات تتجاوز حدود الجغرافيا

 

وتأتي هذه الواقعة في سياق تاريخ طويل من المواجهات التي خاضها أبناء الجنوب ضد مليشيا الحوثي، منذ اجتياحها مناطق جنوبية خلال عام 2015، حين تحولت مدن وقرى ومحافظات بأكملها إلى ساحات قتال، ووجد آلاف الشباب أنفسهم في مواجهة مباشرة مع القوات والمجاميع المسلحة التابعة للجماعة.

 

ومنذ ذلك الحين، لم تكن التضحيات محصورة في منطقة بعينها، بل امتدت آثار الحرب إلى مختلف محافظات الجنوب، حيث قدمت الأسر أبناءها في جبهات المواجهة، وتحولت أسماء الشهداء إلى جزء من الذاكرة الاجتماعية والوطنية، فيما ظلت عائلات كثيرة تحمل آثار الفقد والنزوح والدمار الذي خلفته سنوات الحرب.

 

وفي هذا السياق، تبدو واقعة شباب أمنجدة تعبيراً عن ذاكرة جنوبية مثقلة بالتضحيات، وعن حالة من الاستعداد لمواجهة أي تصعيد عسكري جديد، خصوصاً في ظل استمرار التهديدات التي تمثلها مليشيا الحوثي على الجبهات والمناطق المحررة.

 

أمنجدة.. قرية دفعت ثمن المواجهة وفتحت أبوابها للنازحين

 

وتحمل قرية أمنجدة، إلى جانب القرى المجاورة لها في مديرية لودر، سجلاً من المواقف المرتبطة بمواجهة الحوثيين، إذ كان لأبنائها دور بارز خلال أحداث عام 2015، عندما خاضوا معارك ضد المليشيا التي حاولت التقدم والسيطرة على مناطق المديرية، قبل أن تنتهي تلك المواجهات بخروجها منها.

 

ولم تقتصر مواقف أبناء القرية على الجانب العسكري، فقد سجلوا خلال الحرب مواقف إنسانية لافتة، عندما فتح الأهالي منازلهم لاستقبال النازحين الفارين من مناطق المواجهات، وقدموا لهم المأوى والمساعدة، في وقت كانت فيه العائلات النازحة تواجه ظروفاً قاسية وتبحث عن مكان آمن يحميها من نيران الحرب.

 

وتكشف هذه المحطات عن جانب آخر من طبيعة التضحيات التي قدمها أبناء الجنوب؛ فإلى جانب المقاتلين الذين حملوا السلاح في الجبهات، كان هناك مواطنون احتضنوا النازحين، وأسر تحملت أعباء الحرب، ومجتمعات محلية تقاسمت ما لديها مع المتضررين، في صورة عكست تماسكاً اجتماعياً في مواجهة ظروف استثنائية.

 

قبور محفورة بأيدي أصحابها.. حين يصبح الموت احتمالاً حاضراً

 

وتكتسب واقعة حفر القبور دلالتها من كون الشباب الذين أقدموا على هذه الخطوة لم ينتظروا أن يواروا الثرى بعد استشهادهم، بل بادروا إلى تجهيز قبورهم بأنفسهم، في مشهد يعكس إدراكهم لمخاطر المواجهة واستعدادهم لتحمل تبعاتها.

 

وتعيد هذه الصورة إلى الواجهة حكايات آلاف المقاتلين الذين خاضوا معارك الدفاع عن مناطقهم، وسقط بعضهم في مواقع المواجهة، فيما عاد آخرون يحملون آثار الحرب وإصاباتها وذكرياتها. كما تعيد التذكير بالأسر التي قدمت أكثر من شهيد، وبالقرى التي فقدت أبناءها في معارك متعاقبة، لكنها ظلت حاضرة في محيطها الاجتماعي والجغرافي.

 

ولا يمكن قراءة هذا المشهد بمعزل عن حجم الخسائر التي خلفتها الحرب في المجتمع الجنوبي، أو عن حالة القلق التي تعيشها المناطق القريبة من خطوط التماس، حيث لا تزال احتمالات تجدد المواجهات حاضرة في حسابات السكان والمقاتلين على حد سواء.

 

ذاكرة 2015 حاضرة.. والجنوب أمام اختبار جديد

 

وبين ذاكرة الحرب التي اندلعت عام 2015 ومخاوف تجدد المواجهات، تظل تجربة أبناء الجنوب حاضرة بكل ما تحمله من محطات عسكرية وإنسانية. فقد أظهرت تلك المرحلة حجم الأعباء التي تحملتها المجتمعات المحلية، ليس فقط في مواجهة التقدم العسكري للحوثيين، وإنما أيضاً في التعامل مع موجات النزوح وتداعيات الحرب على الحياة اليومية.

 

واليوم، تعيد مشاهد الاستعداد للمواجهة طرح أسئلة تتجاوز حدود الجبهات العسكرية، لتصل إلى مسؤولية حماية المدنيين، وتأمين المناطق السكنية، وتعزيز جاهزية القوات الجنوبية ، وتوفير الرعاية لأسر الشهداء والجرحى، بما يضمن ألا تتحول التضحيات المتراكمة إلى مجرد أرقام في سجلات الحرب.

 

إن حفر شباب أمنجدة قبورهم بأيديهم ليس مجرد صورة تختصر الاستعداد للموت، بل مشهد يفتح نافذة على ذاكرة جنوبية صنعتها سنوات المواجهة، وعلى واقع لا تزال فيه تداعيات الحرب حاضرة في حياة الناس. وبينما يتهيأ هؤلاء الشباب لاحتمال الغياب، تبقى أمنيتهم وأمنية أسرهم أن تنتهي الحرب، وأن يعود المقاتلون إلى منازلهم أحياء، بدلاً من أن تكون القبور التي حفروها بأيديهم محطاتهم الأخيرة.

التعليقات
شارك برأيك
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
الصحافة الآن