أخبار عدن
منتدى الجنوب يعقد حلقة نقاش بعنوان “مستقبل العلاقات الجنوبية–السعودية”
تاريخ النشر: الجمعة 10 ابريل 2026 - الساعة 20:27:33
حياة عدن / خاص:

إعلام المنتدى / فلاح المانعي

عقد منتدى الجنوب لتنمية الوعي السياسي والاقتصادي، يوم أمس الخميس 9 أبريل 2026، في العاصمة عدن، حلقة نقاش واسعة بعنوان “مستقبل العلاقات الجنوبية–السعودية”، بحضور عدد من الأكاديميين والسياسيين والشخصيات الوطنية والاجتماعية والمهتمين بالشأن الجنوبي، وذلك في إطار مساعيه لتلمس مكامن الخلل في العلاقة الاستراتيجية التي تجمع الشعبين في الجنوب العربي والمملكة العربية السعودية، والخروج برؤية واضحة تعيد ترميم الثقة وتحدد الآفاق المستقبلية.

وافتتح الجلسة سعادة السفير قاسم عسكر جبران، رئيس المنتدى، بكلمة ترحيبية شكر فيها الحضور على مشاركتهم، ثم انتقل إلى محوري الجلسة المتمثلين في استشراف مستقبل العلاقات بين الرياض وعدن، مستعرضاً الآراء المطروحة في الساحة السياسية، التي انقسمت بشكل واضح بين تيارين رئيسيين؛ الأول يدعو إلى تعميق العلاقة في المرحلة الحالية، والثاني يرى أن العلاقة لم تكن واضحة على الإطلاق، وأنها تفتقر إلى مؤشرات ملموسة ومقنعة على أرض الواقع، رغم القواسم المشتركة والمصالح والمنافع المتعددة بين عدن والرياض.

وفي هذا السياق، يرى مؤيدو تعميق العلاقة أن الجنوب يشكل عمقاً استراتيجياً للمملكة، يمتد من باب المندب وخليج عدن إلى البحر العربي والحدود المشتركة، وأن أي فراغ أمني سيهدد العمق السعودي مباشرة، كما أن القوات الجنوبية أسهمت في تحرير الموانئ الاستراتيجية من تنظيم القاعدة، وكانت تمثل الدرع البري في مواجهة المشروع الحوثي الإيراني. غير أن المشاركين في المنتدى فندوا هذه الطروحات، مشيرين إلى أن السعودية تغفل البعد السياسي الجوهري، حيث إن العلاقة بُنيت على الاحتياج الأمني فقط، دون تسوية سياسية واضحة لمصير الجنوب، ما جعلها علاقة هشة وقابلة للاهتزاز. كما أكدوا أن تعميق العلاقة دون ضمانات مستقبلية يعني بقاء الجنوب في دائرة التبعية دون أفق سياسي واضح، وهو ما يعيد إنتاج الأزمة ذاتها.

أما الرأي القائل بعدم وضوح العلاقة، فقد استند إلى غياب أي مذكرة تفاهم أو إطار عمل موقع بين الرياض وعدن يحدد طبيعة العلاقة، إضافة إلى التناقض في المواقف السعودية، المتمثل في عدم التنفيذ الكامل لاتفاق الرياض ومخرجات مشاورات الرياض 2، والانقلاب على الشراكة مع التحالف العربي، الأمر الذي خلق حالة من الإحباط السياسي لدى الشعب والقيادة في الجنوب. واعتبر المشاركون أن هذه التناقضات تجلت في إعلان مواجهة عسكرية وسياسية واقتصادية ضد المجلس الانتقالي الجنوبي، الشريك في هذه المرحلة، ما دفع كثيراً منهم للتشكيك في وجود شريك موثوق في هذه اللحظة الحساسة، في ظل تطورات وأحداث بالغة الخطورة.

وفي المقابل، أقر الحضور بأن هذا الغموض قد يكون مقصوداً من قبل الرياض كأداة ضغط، لكنه في الوقت ذاته أتاح المجال لقوى يمنية معادية لاختراق العلاقة الجنوبية–السعودية وتأليب الرأي العام، وعلى رأسها ما تُسمى “الشرعية” وجماعة الإخوان المسلمين والحوثيون، الذين استغلوا هذه الفجوة لتعكير صفو العلاقة وإعادة إنتاج الصراع.

وبين هذين الرأيين، فُتح باب النقاش أمام المشاركين، الذين قدموا مداخلات اتسمت بالشفافية والموضوعية حول تاريخ العلاقات بين الشعبين السعودي وشعب الجنوب العربي، والتحديات التي رافقتها خلال العقود الماضية، مشيرين إلى أنها تراوحت بين الإيجابية والسلبية في عدد من المحطات، واتسمت بالتذبذب نتيجة التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة العربية.

وتوقف المشاركون عند السنوات العشر الماضية، التي كان فيها شعب الجنوب العربي شريكاً وحليفاً صادقاً للمملكة العربية السعودية على وجه الخصوص، وللدول الخليجية عموماً، لا سيما في مواجهة المشروع الحوثي الإيراني، مؤكدين أن “عاصفة الحزم” وما تلاها من انتصارات أثبتت عمق هذه العلاقة رغم ما شابها من اختلالات.

وأشار الحاضرون إلى وجود فجوة واضحة برزت خلال الأشهر الماضية، استغلتها القوى المناهضة للمشروع العربي، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين والحوثيون، حيث عملت على تعكير صفو العلاقة، معتبرين أن نتائج الحرب الأخيرة ضد القوات المسلحة الجنوبية تمثل أحد مخرجات تلك التحركات التي تقودها قوى يمنية متحالفة ضد الجنوب.

وعلى صعيد مستقبل العلاقة بين الجنوب والسعودية، توقع المشاركون ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
الأول: استمرار حالة الغموض وغياب الإطار الرسمي، بما يؤدي إلى حالة من الجمود المتحرك مع دعم محدود دون حل سياسي، وتعاظم دور القوى المعادية، وصولاً إلى تآكل الثقة بين الطرفين على المدى المتوسط.
الثاني: الاتجاه نحو تعميق العلاقة دون تسوية سياسية واضحة، ما يعني استمرار الجنوب كقوة أمنية مساندة دون سيادة، مع مخاطر متزايدة على قضية شعب الجنوب، واحتمال تصاعد الاحتقانات الداخلية نتيجة غياب الأفق السياسي.
الثالث: وهو السيناريو الأكثر طموحاً، ويتمثل في الانتقال إلى علاقة واضحة قائمة على شراكة استراتيجية بين عدن والرياض، بما يعزز الاستقرار في الحدود وباب المندب والبحر العربي، ويعمق المصالح المشتركة، ويدفع المجتمع الدولي للاعتراف بحق الجنوب في تقرير المصير، ويسهم في إنهاء المشروع الحوثي والإخواني والإيراني.

وخرج المنتدى بحزمة من التوصيات العملية الموجهة إلى القيادة السعودية والمجلس الانتقالي الجنوبي والقوى السياسية الجنوبية، حيث أوصى على مستوى العلاقة الثنائية بتوقيع ميثاق شراكة استراتيجية يتضمن بنوداً واضحة للدفاع المشترك والعلاقات الاقتصادية وآليات فض النزاعات، إلى جانب تشكيل لجنة مشتركة دائمة لمتابعة تنفيذ الاتفاقات وربطها بإطار مستقبلي للعلاقة بين الرياض وعدن.

وعلى المستوى السياسي الجنوبي، شددت التوصيات على ضرورة توحيد وترشيد الخطابين السياسي والإعلامي الجنوبي تجاه الرياض، والعمل بالمثل على الجانب السعودي، والخروج برؤية موحدة تعبر عن تطلعات شعب الجنوب، وبناء جسور تفاهم مع القيادة السعودية لتصحيح الصورة الذهنية عن القضية الجنوبية.

أما على مستوى مواجهة القوى المعادية، فقد أوصى المنتدى بإعداد ملف توثيقي مدعوم بالأدلة حول استغلال جماعتي الإخوان والحوثيين للفجوة الأخيرة، وتقديمه للقيادة السعودية عبر القنوات الدبلوماسية، إضافة إلى إنشاء منصة إعلامية مشتركة بين الناشطين الجنوبيين والسعوديين لكشف حملات التضليل التي تستهدف العلاقة بين عدن والرياض.

وفي ختام أعمال الحلقة، خلص المشاركون إلى أن مستقبل العلاقات بين المملكة والجنوب لن يُحسم بالانحياز الكامل لأي من الرأيين، بل يتطلب صياغة وسطية تعترف بعمق الشراكة الأمنية والجغرافية، والمصالح المشتركة بين الطرفين، ضمن إطار سياسي واضح يحمي هذه المصالح ويحد من استغلال قوى الصراع للفجوات القائمة.

وأكد المشاركون أن “العلاقة مع السعودية ليست خياراً تكتيكياً للجنوب، بل ضرورة استراتيجية، غير أن هذه الضرورة لا تعني التفريط في الحقوق، كما أن الوضوح لا يعني بالضرورة المواجهة”.

وأدار حلقة النقاش الدكتور صبري عفيف العلوي.

التعليقات
شارك برأيك
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص