• آخر تحديث: الاربعاء 28 يناير 2026 - الساعة:19:18:31
آخر الأخبار
آراء واتجاهات
ما حيلة الحنكة في البيت الخراب ..
تاريخ النشر: الاربعاء 28 يناير 2026 - الساعة 13:26:07 - حياة عدن / محمد علي محسن :

لا أخفيكم أنني منذهلٌ من قرار إعفاء وزير الدفاع الدكتور محسن الداعري، الذي لم يَقتَصِر على إعفائه بل تجاوزه إلى إحالته للتقاعد. وهذه سابقةٌ لم تحصل في زمن الجمهورية والوحدة والديمقراطية وحقوق الإنسان .

وزيرٌ لم يمضِ عامٌ على حصوله على شهادة الدكتوراه – وهو بالمناسبة خريج الدفعة الـ ١٢ من الكلية العسكرية في يوم الجيش، ١ سبتمبر ١٩٨٥م ، فلم ينضم للجيش في زمن الامام أو بريطانيا أو في عهد الرؤساء السلال أو قحطان أو سالمين .

لم أسمع أو أقرأ في تاريخ آلاف القرارات الجمهورية حدوثَ مثل هذا الظلم. لقد كان الرئيس صالح إذا أعفى محافظًا أو وزيرًا عيَّنه في مجلس الشورى، وحين أعفى الرئيس هادي رئيسَ الحكومة الدكتور أحمد بن دغر، عيَّنه رئيساً لمجلس الشورى، رغم حيثيات القرار وتلك التهم الكيدية المنسوبة إليه التي طلعت ملفقة ونتاج حالة شاذة .

لا أكتب عن الوزير بوصفه من البلاد فحسب، بل لأنه وُضِعَ في موقفٍ لا يُحسد عليه . لقد أُلقَي به في المهلكة، ثم قيل له: "الله يعينك!" المهمة مستحيلة، لكنك "قدّها وادّود". عمل الرجل بحساباته، وكان مرنًا للأمانة، وحاول أن يمسك العصا من الوسط. ولكن ما حِيلةُ الحنكة في البيت الخَراب؟

لقد ظلَّ الرئيس الدكتور رشاد العليمي، ومعه رئيس الوزراء سالم بن بريك، أسيرَيْن لسلطة المليشيات التابعة للإنتقالي في قصر المعاشيق، وكلما توتر الوضع غادر أحدهما أو كلاهما إلى الرياض.

وجد الداعري نفسه في عُشِّ دبابير، فلم يشأ أن يكون الضحية التالية بعد وزير الداخلية المهندس أحمد الميسري . أراد أن يؤدي وظيفة وزير دفاع الجمهورية اليمنية في مساحةٍ ضاقت بعلمَ اليمن وشعارَها.

سعى أن يوفِّق بين أمانة تمثيله لمنصبه وبين نظم وقوانين الوزارة، وبين تجسيده لمبادئ السلطة الشرعية وبين سلطاتٍ متعددةٍ خارج سيطرة الدولة .

كانت كل خطوةٍ يخطوها مغامرةً: بدءًا بفتح الكلية الحربية في عدن، وما عاناه من مشكلاتٍ عارضةٍ وكادت أن تقصم ظهره ، لكنه استطاع احتواءَ التناقضات وتلافيَ الصدامات.

ومن الكلية الحربية إلى مدرسة القادة والأركان، إلى أكاديمية كبار القادة، إلى تأسيس ديوان وزارة الدفاع في مقرٍّ تَحرسه المليشيات ويُحاط بالأعلام والرموز "الشَّطْرية".

عمل على إنشاء غرفة عملياتٍ مشتركةٍ جامعة لدوائر وألوية الوزارة، ورغم ثقل المسؤولية وصعوبة الواقع، اضطر لمعالجة الاف الملفات الشائكة، حتى صار مكتبه قبلةً للمحافظين والوزراء والقادة العسكريين والمدنيين.

لقد تحولت الوزارة في عهده إلى "وزارات" بسبب كثرة القضايا الواردة: مظالم سابقة، واستحقاقات، ومعالجة جرحى ومرضى بالآلاف . أدى دور "مُطفئ الحرائق"، وتعرض موكبه لاعتداءات ، فما شكى ولا غادر عدن.

رُفعت إليه أوامر صريحة بالترقيات، فما وَقَّع ولا داهن ولا خاف، وأمسك بقلمه وأخضعهم لشروط الترقية من مؤهل عسكري أو جامعي.

الحقيقة أن الوزير بذل جهدًا جبارًا لإثبات وجود السلطة الشرعية، فتعرض للظلم مرارًا: فمن المحسوبين على الشرعية مَن عدُّوه متواطئًا مع أجندة الأمر الواقع، ومن النافذين في عدن وجوارها مَن وصفوه بالخائن لقضية الجنوب، وأنه يعيد سلطات نظام ما بعد حرب ١٩٩٤م . وهكذا دواليك.

ثم جاءت الطامة الكبرى: بعد أن غادر عدنَ أغلبُ الوزراء والوكلاء، وُجِّهت للوزير دعوةٌ لحضور حفلٍ بائس في ساحة العروض – وذلك العرض كان في الأصل من ثمار جهود الداعري بعد تخرج دفعتين من الكلية الحربية.

جيء بالدفعة الأخيرة إلى الساحة ليتخذها عيدروس الزبيدي ديكورًا لعرض قوته . لقد كان فخًا ، كان لغمًا لم يكن في حسبان الوزير . وماذا عساه أن يفعل؟ فلو أن الرئيس العليمي أو رئيس حكومته تلقيا الدعوة لما استطاعا الاعتذار .

إنني لا أتوسل إلى الرئيس رشاد العليمي لإعادته إلى منصبه، لكنني لم أحتمل قرارَه الظالمَ المجحف. كان يمكن الانتظار لحين إعفاء رئيس الحكومة.

لكن بما أن الأمر قد وقع، فكل ما نأمله أن يُعاد الاعتبار للوزير، وأن لا تكون قرارات الرئيس تحت وطأة اللحظة أو المزاج الشخصي ، بل قراراتٍ مدروسةً بعناية، بعيدةً عن تصفية الحسابات أو ردات الفعل الارتجالية.

إن الدرس الأعمق هنا ليس في شخصٍ عُزل أو منصبٍ ذهب، بل في معنى الدولة ومصيرها. عندما تتحول المؤسسات إلى غنائم ، والولاءات إلى مناصب وترقيات ، والكفاءة إلى جريمة، فإن السقوط يصير مسألة وقت.

لقد حاول الرجل أن يكون جسرًا فوق هوة الاقتتال، فسقط في وهاد الخذلان ، وسقطت معه قيم الوفاء والشجاعة والإخلاص ، بفعل حالة انفعال وغضب .

وتلك سُنةُ كل من يحاول أن يبني في زمن الهدم . فإما أن تنكسر عليه العصا، أو ينكسر هو عليها .

اليمن الذي نحلم به لا يُبنى بقرارات انتقامية عابرة، ولا بترك رجالٍ أمناء يواجهون المصير وحيدين . يُبنى بالإنصاف ، وبحفظ الجميل، وبأن تكون الدولة سيدةً لا عروسَ قوى متصارعة.

فالدول التي تنجو هي التي تحمي أبناءها المخلصين، حتى وإن اختلفت معهم، لأنهم في النهاية حجارتها الأساسية . أما التي تطحنهم، فتطحن معهم مستقبلها.

فليكن في مصير الداعري عبرةٌ وفائدة ودرس ، فكل من يحمل وزر الوطن في ظل الغياب ، سينتهي إلى أحد مصيرين: إما شهيدٌ في ساحته، أو منسيٌّ في زوايا الخذلان . والفرق بينهما هو مقدار العدل الذي تحفظه الأمة لمن خدمها ..

 

التعليقات
شارك برأيك
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص

الصحافة الآن