
السفير عسكر: المرحلة تفرض قراءة واعية للمتغيرات وامتلاك رؤية تتجاوز ردود الفعل
فهم التحولات الإقليمية يبدأ بقراءة المصالح وموازين القوى
مشاركون: القضية الجنوبية يجب أن تكون حاضرة وفاعلة في أي تسوية سياسية مقبلة
الجنوب أمام فرصة لإعادة ترتيب موقعه في معادلات الإقليم
نظّم منتدى الجنوب لتنمية الوعي السياسي والاجتماعي، الخميس 20 أغسطس 2026، حلقة نقاشية بعنوان «التحولات الإقليمية والدولية وأثرها على المنطقة»، بمشاركة نخبة من الشخصيات السياسية والوطنية والاجتماعية والأكاديمية والعسكرية، إلى جانب عدد من الناشطين والمهتمين بالشأن العام.
وتناولت الحلقة التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة والإقليم والنظام الدولي، في ظل إعادة تشكيل التحالفات وتبدل أولويات القوى الإقليمية والدولية وتغير موازين القوى، إلى جانب تصاعد التنافس على النفوذ والممرات البحرية والمواقع الجيوسياسية ذات الأهمية الاستراتيجية.
وأكد المشاركون أهمية قراءة هذه التحولات ضمن سياقها الأوسع، وعدم التعامل معها كأحداث منفصلة أو مؤقتة، باعتبارها جزءًا من عملية إعادة تشكيل للبيئة السياسية والأمنية والاستراتيجية في المنطقة، وما يترتب عليها من تداعيات مباشرة وغير مباشرة على اليمن والجنوب العربي بصورة خاصة.
عسكر: وعي المتغيرات يتطلب تجاوز ردود الفعل
وأكد رئيس منتدى الجنوب لتنمية الوعي السياسي والاجتماعي، السفير قاسم عسكر جبران، أهمية تعزيز الوعي السياسي بوصفه أداة لفهم التحولات المحيطة، والانتقال من القراءة الانفعالية للأحداث إلى قراءة أكثر عمقًا تستند إلى تقييم المصالح والتحالفات وموازين القوى.
وأشاد عسكر بالمشاركين والحاضرين وتفاعلهم مع فعاليات المنتدى، مشددًا على أهمية استمرار مثل هذه اللقاءات باعتبارها مساحة للحوار وتبادل الرؤى بشأن القضايا السياسية والاجتماعية والاستراتيجية التي تشهدها المنطقة.
واتسمت النقاشات بتعدد زوايا المقاربة، إذ جمعت بين التحليل السياسي والاستراتيجي والاعتبارات الوطنية والاجتماعية والفكرية، مع التركيز على أهمية الذاكرة والتجربة التاريخية، والتمسك بالثوابت، وتعزيز التماسك الداخلي، والتحذير من الذاتية والتعصب، إلى جانب أهمية بناء علاقات متوازنة تقوم على المصالح المشتركة والتعامل الواقعي مع المتغيرات.
وشدد المشاركون على أن المرونة السياسية لا تعني التخلي عن الثوابت، وإنما تطوير أدوات التعامل مع المتغيرات مع الحفاظ على المصالح والمبادئ الأساسية، مؤكدين أهمية الاستفادة من التجارب التاريخية دون إسقاطها بصورة حرفية على الحاضر، بل استخلاص الدروس منها وتوظيفها في إدارة الواقع واستشراف المستقبل.
التماسك الداخلي وتنويع العلاقات
وحذرت المداخلات من مخاطر الذاتية المفرطة في القضايا السياسية والوطنية، مشيرة إلى أن انتقال الخلافات من المجال العام إلى المجال الشخصي قد يؤدي إلى توسيع دائرة النزاع وتحويل الخصومات الفردية إلى خلافات سياسية واجتماعية أوسع.
وأكد المشاركون أن التماسك الداخلي وتغليب المصلحة العامة يمثلان شرطين أساسيين لمواجهة التحديات الخارجية والاستفادة من التحولات المحيطة.
كما دعوا إلى تبني سياسة تقوم على التوازن وتنويع العلاقات والبحث عن المصالح المشتركة مع مختلف الأطراف، بدل الارتهان لطرف واحد، بما يمنح الجنوب هامشًا أوسع للحركة السياسية ويعزز قدرته على حماية مصالحه والتعامل مع المتغيرات.
وتناولت النقاشات التحولات في طبيعة التحالفات الإقليمية والدولية، في ظل إعادة ترتيب موازين القوى والمصالح، مؤكدة أن التحالفات ليست علاقات ثابتة ونهائية، وإنما تتأثر بتغير المصالح والظروف السياسية والاستراتيجية.
كما ناقش المشاركون التنافس الدولي على المضائق والبحار وخطوط الملاحة، وأهمية المواقع الاستراتيجية في المنطقة، وفي مقدمتها باب المندب وخليج عدن والبحر الأحمر، إلى جانب عدد من بؤر التوتر والصراع التي ترتبط بشبكة أوسع من المصالح والتنافس الإقليمي والدولي.
الجنوب وموقعه في المعادلة الإقليمية
وأكدت المداخلات أن موقع الجنوب على خطوط الملاحة الدولية واتصاله بباب المندب وخليج عدن والبحر العربي يمنحه أهمية تتجاوز حدود الصراع المحلي، ويضعه ضمن دائرة التفاعلات الإقليمية والدولية المرتبطة بالتجارة والطاقة والموانئ والأمن البحري.
وشدد المشاركون على أن الموقع الجغرافي يمثل أحد عناصر القوة الاستراتيجية للجنوب، إلا أن توظيف هذه الميزة يتطلب رؤية سياسية واضحة وتماسكًا داخليًا ومؤسسات قادرة على إدارة المصالح والعلاقات، محذرين في الوقت ذاته من تحويل الموقع الجغرافي إلى مصدر للاستقطاب الداخلي أو التنافس الخارجي.
دعوة لتحريك المشهد السياسي
وفي أبرز مخرجات النقاش، برزت دعوات إلى تعزيز الحضور السياسي والدبلوماسي للجنوب، وتطوير أدوات التواصل مع مختلف القوى الإقليمية والدولية، والاستفادة من عناصر القوة المتاحة، وفي مقدمتها الموقع الجغرافي والأهمية الاستراتيجية.
كما دعا المشاركون القيادة السياسية في المجلس الانتقالي الجنوبي إلى المبادرة بتحريك المشهد السياسي وكسر حالة الجمود، وعدم الاكتفاء بانتظار ما تفرزه التطورات الإقليمية والدولية، مؤكدين أن طبيعة المرحلة تستدعي الانتقال من إدارة ردود الفعل إلى امتلاك المبادرة السياسية والاستراتيجية.
وشددت المداخلات على أن كسر الجمود لا يعني المخاطرة، وإنما امتلاك المبادرة وإعادة ترتيب الأولويات والتحرك وفق رؤية سياسية واضحة، توازن بين الثوابت الوطنية ومتطلبات المرحلة.
وأكد المشاركون أهمية أن تكون القضية الوطنية لشعب الجنوب ومصالحه حاضرة وفاعلة في أي تسوية أو ترتيبات سياسية مقبلة، إلى جانب تعزيز التماسك الداخلي وتجاوز الخلافات والذاتية، بما يتيح التعامل مع التحولات الخارجية من موقع أكثر قوة وثباتًا واتزانًا.

تكريم الشاعر جابر الحالمي
وشهدت الفعالية، إلى جانب الحلقة النقاشية، تكريم الشاعر الشعبي جابر حسين جبورة العمري الحالمي، تقديرًا لتجربته الشعرية وإسهامه في التعبير عن القضايا الوطنية والاجتماعية وقضايا الهوية والانتماء والذاكرة.
وبالتزامن مع التكريم، أهدى الشاعر المنتدى عددًا من نسخ ديوانه الشعري الأول «غربة وحنين»، الذي راجعه وحرره وقدم له الدكتور عبده يحيى الدباني والدكتور سالم علوي الحنشي.
وأكد المنتدى أن التكريم يأتي في إطار اهتمامه بالمبدعين والمثقفين والشعراء وإسهاماتهم في حفظ الذاكرة الثقافية والاجتماعية والهوية الوطنية، انطلاقًا من رؤية تعتبر الوعي مفهومًا متكاملًا يشمل السياسة والثقافة والأدب والهوية والذاكرة الاجتماعية.
أدار الحلقة النقاشية المدير التنفيذي للمنتدى الدكتور عارف السنيدي.