
سبعة شهداء في هجوم غادر وقبائل الصبيحة تمنح الدولة ثلاثة أيام لضبط القتلة ..
على مائدة العشاء.. كتبت رصاصات الغدر نهاية سبعة جنود
جريمة تتجاوز استهداف الجنود إلى اختبار هيبة الدولة
حضرموت بين هيبة الدولة وتحديات الجماعات المسلحة
هل تنتصر الدولة لدماء جنودها؟
قبائل الصبيحة تبحث عن عدالة الدولة ..
تقرير – تمّام العساسي :
لم تكن الجريمة التي شهدتها منطقة رماة شمال شرقي محافظة حضرموت مجرد اعتداء مسلح استهدف قوة عسكرية أثناء تأدية واجبها، بل مثلت اختباراً جديداً لقدرة الدولة على فرض القانون وملاحقة الجماعات الخارجة عن النظام، بعدما حصد هجوم غادر أرواح سبعة من منتسبي اللواء الرابع درع الوطن وأصاب ثلاثة آخرين، وهم يجلسون على مائدة العشاء داخل أحد المطاعم، في واحدة من أكثر الهجمات دموية التي تعرضت لها القوات خلال الأشهر الأخيرة.
الهجوم الذي أثار صدمة واسعة في الأوساط العسكرية والقبلية والشعبية، فتح الباب أمام تساؤلات كبيرة حول الجهات التي تقف خلف العملية، ورسائلها الأمنية والسياسية، بينما سارعت قوات درع الوطن إلى إعلان أن الجريمة لن تمر دون عقاب، في وقت منحت فيه قبائل الصبيحة الدولة مهلة محددة لإثبات قدرتها على تحقيق العدالة.
رصاص الغدر يخترق مائدة العشاء
مساء الجمعة تحول أحد المطاعم الشعبية في مديرية رماة إلى مسرح لجريمة دامية، بعدما باغت مسلحون قوة من الفرقة الثانية التابعة للواء الرابع درع الوطن بإطلاق نار كثيف أثناء تناول الجنود وجبة العشاء، ليسقط عدد منهم بين شهيد وجريح في مشهد صادم هز المحافظة بأكملها.
وبحسب مصادر محلية، فإن الهجوم كان مباغتاً وسريعاً، ما منح المنفذين فرصة الفرار عقب تنفيذ جريمتهم، قبل أن تبدأ القوات العسكرية والأمنية عملية انتشار واسعة في المنطقة لتعقبهم.
سبعة شهداء... أسماء كتبت بالدم
أكدت قيادة قوات درع الوطن أن حصيلة الهجوم ارتفعت إلى سبعة شهداء وثلاثة جرحى، بينهم نجل أركان حرب اللواء الرابع، فيما ينتمي معظم الشهداء إلى قبائل الصبيحة بمحافظة لحج، إضافة إلى شهيد من محافظة الضالع.
وأسماء الشهداء هم:
* عبدالرحمن عيسى أحمد عبده عبدالله الأغبري.
* همام أحمد علي حيدر الكعلولي.
* محمد أحمد دحيم المشولي.
* جمال أحمد عبدان الشبيقي.
* ناصر محمد باشت البوكري.
* وجيد العلقمي.
* شهيد من محافظة الضالع.
وأثار تنوع انتماءات الشهداء القبلية داخل الصبيحة حجم تعاطف واسع، باعتبارهم كانوا يؤدون مهمة عسكرية رسمية قبل أن تطالهم رصاصات الغدر.
أصابع الاتهام تتجه نحو شبكات التهريب
مصادر ميدانية أشارت إلى أن منفذي الهجوم ينتمون إلى مجاميع قبلية من قبائل دهم بمحافظة الجوف، مع وجود معلومات أولية تتحدث عن ارتباط بعض العناصر المنفذة بشبكات تهريب ومجاميع موالية لمليشيا الحوثي المدعومة من إيران.
ورغم تداول هذه المعلومات، فإن الجهات الرسمية لم تعلن حتى الآن نتائج التحقيقات أو تحدد بصورة قاطعة هوية المنفذين، وهو ما يجعل التحقيقات الجارية الفيصل في كشف ملابسات الجريمة.
انتقام مؤجل من عملية أمنية؟
مصادر مطلعة رجحت أن تكون المجزرة امتداداً لتداعيات عملية أمنية نفذتها قوات درع الوطن قبل نحو ثلاثة أشهر ضد مطلوبين وشبكات تهريب في المنطقة، وانتهت حينها بمقتل أحد عناصر تلك الشبكات.
ويرى مراقبون أن توقيت الهجوم وطبيعته قد يشيران إلى محاولة انتقام من نجاحات القوات في ملاحقة الأنشطة غير القانونية، وهي فرضية ما تزال بانتظار ما ستكشفه التحقيقات الرسمية.
درع الوطن: لا حصانة للقتلة
وفي أول رد رسمي، جاء بيان قيادة قوات درع الوطن حازماً، مؤكداً أن الجريمة لن تمر دون حساب، وأن كل من شارك أو خطط أو وفر الحماية للمنفذين سيخضع للملاحقة القانونية.
وأكد البيان أن القوات، بالتنسيق مع الأجهزة العسكرية والأمنية المختصة، بدأت عمليات تعقب واسعة لضبط المتورطين، مشدداً على أن دماء الشهداء لن تضيع، وأن العدالة ستطال كل من يقف خلف هذه الجريمة.
ويعكس البيان إصرار القيادة على منع تحويل الجريمة إلى واقعة عابرة، والتعامل معها باعتبارها اعتداءً مباشراً على هيبة الدولة ومؤسساتها العسكرية.
استنفار واسع في حضرموت
عقب الهجوم، فرضت القوات العسكرية والأمنية إجراءات أمنية غير مسبوقة في مديرية رماة، مع الدفع بتعزيزات إضافية وإقامة نقاط تفتيش وتحريك وحدات لتعقب المسلحين.
ويهدف هذا الانتشار إلى تضييق الخناق على المنفذين ومنع أي محاولات للهروب أو إعادة تنظيم صفوفهم، بالتزامن مع استمرار عمليات التحري وجمع المعلومات.
قبائل الصبيحة: منحنا الدولة الفرصة
وفي موقف حمل رسائل قوية، أعلنت قبائل الصبيحة تمسكها بالدولة والقانون، مؤكدة أن خيارها الأول والأخير هو الاحتكام إلى المؤسسات الرسمية.
إلا أن البيان القبلي لم يخلُ من لهجة حازمة، إذ حمّل الدولة المسؤولية الكاملة عن القبض على الجناة، وأمهلها ثلاثة أيام فقط لاتخاذ إجراءات عملية تثبت جديتها في تنفيذ العدالة.
وأكد البيان أن دماء الشهداء ليست محل مساومة، وأن القبائل آثرت تغليب القانون على أي خيارات أخرى، لكنها لن تقبل بضياع حقوق أبنائها.
دعوة للقبائل اليمنية لعزل الجناة
وفي رسالة ذات أبعاد اجتماعية ووطنية، دعت قبائل الصبيحة قبائل الجوف وكافة قبائل اليمن إلى عدم توفير أي حماية أو غطاء للمتورطين، مؤكدة أن المجرم لا يمثل قبيلته، وأن الوقوف مع المظلوم وتسليم الجناة يمثلان من صميم الأعراف والقيم القبلية اليمنية.
الدولة أمام اختبار مصيري
لا تبدو مجزرة رماة مجرد حادث أمني عابر، بل تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على فرض سيادة القانون في واحدة من أكثر المناطق حساسية، خصوصاً أن الجريمة استهدفت قوة نظامية أثناء أداء واجبها، وفي ظروف تؤكد أن المنفذين راهنوا على عنصر المباغتة والإفلات من العقاب.
ومع انتهاء مهلة الأيام الثلاثة التي أعلنتها قبائل الصبيحة، ستكون الأنظار متجهة نحو نتائج التحركات الأمنية، ومدى قدرة الدولة على القبض على الجناة وتقديمهم للقضاء، بما يثبت أن العدالة لا تزال هي المرجعية الوحيدة، وأن هيبة الدولة أقوى من رصاص الغدر.
العدالة... الخيار الذي ينتظره الجميع
بين تعهدات قوات درع الوطن، ومطالب قبائل الصبيحة، والغضب الشعبي الذي خلفته الجريمة، تتصدر العدالة المشهد باعتبارها المخرج الوحيد لاحتواء تداعيات المجزرة.
فإما أن تنجح الدولة في ملاحقة القتلة وإنصاف أسر الشهداء، وإما أن تتحول الجريمة إلى اختبار مفتوح لهيبة مؤسساتها، في لحظة فارقة ينتظر فيها الجميع أن تكون كلمة القانون هي الأعلى، وأن يد العدالة تصل إلى كل من خطط ونفذ وشارك في هذه الجريمة التي هزت حضرموت وأوجعت اليمنيين.