• آخر تحديث: الخميس 15 اكتوبر 2026 - الساعة:21:22:32
آخر الأخبار
أخبار عدن
حشود مليونية 14 أكتوبر تجدد التمسك باستعادة الدولة وتضع الشراكة أمام اختبار السياسة لا الشارع وحده
تاريخ النشر: الخميس 15 اكتوبر 2026 - الساعة 19:53:36 - حياة عدن / غازي العلوي :

قراءة سياسية : مليونية التعبئة في عدن.. الجنوب يحشد لإسناد الجبهات والدفاع عن قضيته الوطنية

الجبهات تحرس حلم الدولة

الشارع يهتف.. والجبهات تحرس.. واستعادة الدولة عنوان المرحلة

من ساحة العروض إلى طاولة السياسة.. ماذا تعني مليونية أكتوبر للجنوب؟

هل تتحول رسائل أكتوبر إلى خطوات عملية؟

مليونية التعبئة.. الجنوب خط أحمر

الأمناء /غازي العلوي :

 

لم تكن الحشود التي شهدتها العاصمة عدن، الأربعاء، في الذكرى الثالثة والستين لثورة 14 أكتوبر، مجرد مشاركة جماهيرية في مناسبة وطنية تستحضر تاريخ النضال ضد الاستعمار البريطاني، بل حملت أبعادًا سياسية تتجاوز رمزية الاحتفال، لتعيد قضية الجنوب إلى واجهة المشهد، وتؤكد أن مشروع استعادة الدولة لا يزال حاضرًا في الوجدان الشعبي، وأن أي مقاربة لمستقبل الجنوب لا يمكن أن تتجاهل موقف الشارع وتطلعاته.

 

وجاءت المليونية، التي دعا إليها المجلس الانتقالي الجنوبي تحت شعار التعبئة الشعبية العامة للدفاع عن الجنوب وقضيته الوطنية، في توقيت بالغ الحساسية، تتداخل فيه حسابات القضية الجنوبية مع تعقيدات المشهد اليمني، وتحديات المواجهة مع الحوثيين، فضلًا عن طبيعة العلاقة مع المملكة العربية السعودية ودورها في إدارة التوازنات السياسية والعسكرية.

 

ومن هنا، تكتسب فعاليات 14 أكتوبر أهميتها من الرسائل التي حملتها، لا من حجم المشاركة وحده؛ إذ وضعت أمام مختلف الأطراف معادلة واضحة: الجنوب يريد أن يكون حاضرًا في تقرير مستقبله، وأن تُقرأ مطالبه بوصفها قضية سياسية ذات امتداد شعبي، لا ملفًا يمكن تجاوزه في ترتيبات التسوية.

 

رسالة الحشود.. القضية لم تغادر الشارع

 

شكّل التوافد الجماهيري إلى ساحة العروض في خور مكسر، بمشاركة مواطنين قدموا من محافظات جنوبية مختلفة، أبرز مظاهر الفعالية، في مشهد أعاد التأكيد على قدرة القضية الجنوبية على حشد أنصارها في المناسبات المفصلية.

 

وتتجاوز دلالة هذا الحضور مجرد الاحتفاء بذكرى تاريخية؛ فاختيار مناسبة 14 أكتوبر يمنح الرسالة السياسية امتدادًا رمزيًا مرتبطًا بالنضال والتحرر، فيما يضع الحشد القضية الجنوبية في سياق متصل بالهوية والحقوق والتطلعات السياسية.

 

كما أن تزامن الفعالية مع دعوات التعبئة الشعبية العامة يضفي عليها بعدًا يتصل بالتعبئة السياسية والمجتمعية، ويعكس سعي المجلس الانتقالي إلى إظهار اتساع قاعدته الجماهيرية وتماسك أنصاره في مرحلة تتطلب منه إثبات قدرته على الحفاظ على حضوره السياسي.

 

لكن القراءة الموضوعية لهذه الحشود تقتضي التمييز بين التعبير الشعبي عن التمسك بالقضية وبين اعتبار المشاركة تفويضًا مفتوحًا لكل الخيارات السياسية. فالحشد، مهما بلغت كثافته، يمثل مؤشرًا على اتجاهات قطاع من الشارع، فيما تظل ترجمة هذه الرسالة إلى مكاسب سياسية مرتبطة بقدرة القيادة على إدارة المواقف، وبناء التوافقات، وتقديم مسار واضح لتحقيق الأهداف المعلنة.

 

استعادة الدولة.. جوهر الرسالة السياسية

 

في صلب الشعارات المرفوعة خلال الفعالية، برز التمسك بمشروع استعادة الدولة الجنوبية بوصفه المحور الأكثر حضورًا في الخطاب السياسي المرتبط بالمناسبة. وهي رسالة تؤكد أن المطالب الجنوبية، من منظور أنصار هذا المشروع، لا تتوقف عند تحسين التمثيل في مؤسسات السلطة أو الحصول على مكاسب في ترتيبات الحكم، بل تمتد إلى تحديد مستقبل الجنوب وشكل الدولة التي يطمحون إليها.

 

وتحمل هذه الرسالة أهمية خاصة في ظل تعدد المبادرات والمسارات السياسية المتعلقة بالأزمة اليمنية؛ إذ يسعى المجلس الانتقالي إلى تثبيت موقعه طرفًا رئيسيًا في أي نقاش بشأن التسوية، وعدم حصر القضية الجنوبية ضمن معالجة عامة للأزمة لا تمنحها، من وجهة نظره، مكانتها السياسية المستقلة.

 

وفي المقابل، فإن تحويل الحضور الجماهيري إلى نفوذ تفاوضي مستدام يتطلب أكثر من إثبات القدرة على الحشد؛ فهو يستدعي بلورة رؤية سياسية قابلة للنقاش، وتوسيع مساحات التوافق الجنوبي، وتحديد آليات واضحة للتعامل مع القوى الإقليمية والدولية المعنية بالملف اليمني.

 

وهنا يكمن أحد الاختبارات الرئيسية التي تفرضها المليونية على القيادة الجنوبية: كيف يمكن الحفاظ على زخم الشارع، وترجمته إلى نتائج سياسية، من دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة قد تضعف القضية بدلًا من تعزيزها؟

 

السعودية في المشهد.. خلاف سياسي لا يحسمه التصعيد

 

تتصل إحدى أكثر زوايا الفعالية حساسية بطبيعة العلاقة مع المملكة العربية السعودية، التي تؤدي دورًا محوريًا في الملف اليمني، وتملك تأثيرًا مباشرًا في مسارات التهدئة والتسوية وترتيبات المرحلة المقبلة.

 

وفي هذا السياق، يمكن قراءة الحشود باعتبارها رسالة إلى الرياض بأن القضية الجنوبية تظل عاملًا أساسيًا في معادلة الاستقرار، وأن أي ترتيبات سياسية تتعلق بمستقبل اليمن تحتاج إلى التعامل مع المطالب الجنوبية بجدية، وعدم افتراض أن الملفات الخلافية يمكن تجاوزها عبر التفاهمات بين القوى السياسية وحدها.

 

لكن هذه الرسالة لا تعني بالضرورة أن الشارع الجنوبي يتجه إلى مواجهة مع السعودية، كما لا يصح اعتبار كل تعبير عن التمسك باستعادة الدولة إعلانًا عن القطيعة معها. فثمة فارق بين التشبث بموقف سياسي، واللجوء إلى التصعيد في العلاقة مع طرف إقليمي مؤثر.

 

والأكثر أهمية أن الموقف من السعودية لا ينبغي اختزاله في ثنائية الطاعة أو المواجهة؛ إذ تظل هناك مساحة للعمل السياسي تقوم على التفاوض، وتوضيح المصالح، والتمسك بالحقوق والمطالب، مع تجنب تحويل الخلافات إلى خصومة مفتوحة.

 

وتزداد أهمية هذا التوازن في ظل الحاجة إلى تنسيق الجهود لمواجهة الحوثيين، ومكافحة الإرهاب، وحماية أمن الجنوب والممرات البحرية. فهذه الملفات تفرض مصالح مشتركة لا يلغيها الاختلاف بشأن مستقبل الجنوب أو شكل التسوية السياسية.

 

وعليه، فإن الاختبار الحقيقي لا يكمن في رفع سقف الخطاب تجاه الرياض، بل في قدرة القيادة الجنوبية على إيصال مطالبها بوضوح، وإقناع الأطراف المعنية بأن تجاهلها لا يصنع استقرارًا دائمًا، وأن معالجتها سياسيًا تمثل مدخلًا لتسوية أكثر قابلية للاستمرار.

 

حدود التصعيد.. أين تنتهي الرسالة وأين تبدأ المخاطرة؟

 

تمنح الفعاليات الجماهيرية القيادة السياسية فرصة لتأكيد موقفها ورفع كلفة تجاهل مطالب أنصارها، لكنها قد تتحول إلى عبء إذا جرى توظيفها في مسار تصعيدي لا يترك مجالًا للتراجع أو التفاهم.

 

فالخطاب المرتفع قد يحقق أثرًا تعبويًا على المدى القصير، لكنه لا يضمن مكاسب سياسية على المدى الأبعد، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بعلاقة مع دولة تمتلك أدوات تأثير متعددة في المشهد اليمني.

 

وفي المقابل، فإن الدعوة إلى التهدئة لا تعني التخلي عن المطالب أو تفريغ الحضور الشعبي من مضمونه؛ بل تعني الفصل بين ثبات الموقف السياسي والوسائل المستخدمة للدفاع عنه. ويمكن للقيادة الجنوبية أن تتمسك بمشروعها، وتطالب بضمانات واضحة لمستقبل الجنوب، من دون أن تجعل التصعيد غاية في حد ذاته.

 

ومن هذه الزاوية، تبدو المحافظة على الطابع السلمي للفعاليات، وتجنب الاستفزاز والإساءة، وفتح قنوات الحوار، عناصر أساسية لحماية الرسالة السياسية من التحول إلى أزمة جانبية تستنزف الجهود وتبدد فرص التفاهم.

 

كما أن نجاح أي مسار سياسي يتطلب وضوح المطالب والقدرة على ترتيب الأولويات، بدلًا من ترك المجال مفتوحًا لتفسيرات متضاربة قد تنقل الخلاف من ساحة التفاوض إلى مواجهة يصعب احتواؤها.

 

الحوثيون والأمن الإقليمي.. معادلة لا تحتمل تبديد الجهود

 

لا يمكن فصل دلالات الحشد في عدن عن التحديات الأمنية والعسكرية التي تواجه الجنوب واليمن عمومًا، وفي مقدمتها استمرار التهديد الحوثي وما يرتبط به من مخاطر على الأمن الإقليمي والملاحة الدولية.

 

ففي الوقت الذي يحرص فيه المجلس الانتقالي على تأكيد استقلالية قراره السياسي وتمسكه بمشروعه الوطني، تظل مواجهة الحوثيين ومخاطر الإرهاب من الملفات التي تتطلب تنسيقًا أوسع بين القوى المعنية بالأمن والاستقرار.

 

ومن شأن إدارة الخلافات السياسية بطريقة تصادمية أن تفتح مساحات إضافية للمناورة أمام الخصوم، بينما يمكن للحوار المنظم أن يساعد على حماية المصالح المشتركة، مع إبقاء القضية الجنوبية حاضرة في أي تفاهمات تتعلق بمستقبل البلاد.

 

ولا يعني ذلك وضع الملفات الأمنية فوق المطالب السياسية بصورة مطلقة، أو مطالبة الجنوب بتأجيل قضيته إلى أجل غير محدد، بل يعني إدراك الترابط بين الاستقرار الميداني والقدرة على التفاوض؛ فكلما تراجعت فرص الصدام غير الضروري، ازدادت مساحة العمل السياسي المنظم.

 

ما بعد المليونية.. معيار النجاح يتجاوز امتلاء الساحات

 

تضع فعاليات 14 أكتوبر المجلس الانتقالي أمام استحقاق يتجاوز نجاح التنظيم والحشد؛ إذ يبقى السؤال الأهم متعلقًا بما ستفضي إليه الرسالة الجماهيرية من خطوات سياسية عملية.

 

ويشمل ذلك توسيع الحوار الجنوبي، وتحديد الأولويات، وتعزيز الثقة بين المكونات، وتقديم مقاربة واضحة للتعامل مع السعودية وبقية الأطراف الإقليمية والدولية، بما يضمن عدم اختزال القضية في سجال متكرر أو موجات تصعيد لا تنتهي إلى نتائج ملموسة.

 

كما أن الحضور الجماهيري، إذا أريد له أن يشكل رصيدًا سياسيًا طويل الأمد، يحتاج إلى أن يواكبه خطاب مسؤول يشرح الأهداف، ويحدد مسارات تحقيقها، ويفصل بين المطالب الوطنية المشروعة وبين ردود الفعل الآنية.

 

وفي هذا الإطار، لا تُقاس قوة المليونية بما أحدثته من صدى في يوم انعقادها فحسب، بل بقدرتها على دفع الأطراف المعنية إلى التعامل الجاد مع القضية الجنوبية، وبمدى نجاح القيادة في حماية زخم الشارع من الاستنزاف، وتحويله إلى موقف تفاوضي أكثر تماسكًا.

 

رسالة أخيرة.. الجنوب يريد شراكة في القرار لا أزمة مفتوحة

 

في المحصلة، أعادت حشود 14 أكتوبر في عدن التأكيد على حضور القضية الجنوبية في المشهد السياسي، وعلى تمسك أنصارها بمشروع استعادة الدولة، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى تسويات تأخذ في الحسبان مواقف القوى المحلية وتوازنات الإقليم.

 

وتحمل الفعالية رسالة إلى الداخل الجنوبي بضرورة الحفاظ على وحدة الموقف، ورسالة إلى الأطراف اليمنية بأن القضية الجنوبية لا يمكن تجاوزها في أي تسوية مستدامة، ورسالة إلى السعودية بأن معالجة الخلافات تحتاج إلى حوار سياسي جاد يستند إلى المصالح المتبادلة والاحترام.

 

غير أن هذه الرسائل لن تحقق كامل أثرها بمجرد قوة الحضور أو ارتفاع سقف الشعارات؛ فذلك يظل مرتبطًا بقدرة القيادة على الجمع بين وضوح المطالب وحسابات الواقع، وبين التمسك بالمشروع الوطني وتجنب المغامرة بمستقبل العلاقة مع الأطراف المؤثرة.

 

لقد أثبتت 14 أكتوبر أن الشارع الجنوبي ما زال قادرًا على التعبير عن موقفه، لكن التحدي التالي هو تحويل هذا الموقف إلى مسار سياسي يحقق المكاسب، ويحمي الجنوب من الاستنزاف، ويُبقي أبواب التفاهم مفتوحة. فالحضور الشعبي يمنح الرسالة قوتها، أما السياسة الرشيدة فهي التي تحدد إلى أين تصل هذه القوة.

التعليقات
شارك برأيك
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
الصحافة الآن