
أدانت هيئة الشؤون القانونية وحقوق الإنسان في المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، بأشد العبارات، قصف مليشيات الحوثي مجمع السقيا الصحي بمديرية المضاربة ورأس العارة، واستهداف سوق طور الباحة الشعبي بمحافظة لحج، في اعتداءين أسفرا عن سقوط قتلى وجرحى من المدنيين، وتدمير منشأة صحية وإلحاق أضرار جسيمة بممتلكات المواطنين.
وأكدت الهيئة، في بيان صادر عنها الثلاثاء الموافق 3 نوفمبر 2026م، أن الاعتداءين اللذين وقعا في الأول والثالث من نوفمبر الجاري، لا يمثلان مجرد انتهاكات عابرة أو أضرار جانبية للعمليات العسكرية، بل يكشفان عن نمط بالغ الخطورة من استهداف المدنيين والأعيان المحمية، والاستهانة المتعمدة بالحق في الحياة وقواعد القانون الدولي الإنساني.
قصف مجمع السقيا الصحي وإخراجه عن الخدمة
وأوضحت الهيئة أن مجمع السقيا الصحي، الواقع في منطقة السقيا بمديرية المضاربة ورأس العارة، تعرض في الأول من نوفمبر الجاري لهجوم مباشر بصاروخ بالستي أطلقته مليشيات الحوثي، ما أدى إلى تدميره بالكامل وإخراجه عن الخدمة، ومقتل خمسة من أفراد وحدة الإسناد الطبي وإصابة خمسة عشر آخرين.
وأشارت إلى أن آثار هذه الجريمة لم تقتصر على سقوط الضحايا من العاملين في المجال الطبي، بل امتدت إلى حرمان آلاف السكان، بمن فيهم النساء والأطفال والفئات الأكثر ضعفاً، من الخدمات الصحية والإسعافية الأساسية التي كان المجمع يقدمها.
واعتبرت أن قصف منشأة صحية مخصصة لعلاج المرضى وإسعاف المصابين يمثل اعتداءً خطيراً على الحماية الخاصة التي يكفلها القانون الدولي الإنساني للمرافق الطبية والعاملين فيها، ولا يمكن تبريره بأي ذريعة عسكرية أو سياسية.
استهداف سوق طور الباحة وملاحقة المسعفين
وفي سياق متصل، أشارت الهيئة إلى أن مليشيات الحوثي قصفت، صباح الثلاثاء 3 نوفمبر، سوق طور الباحة الشعبي بصاروخين أُطلقا على دفعتين، مستهدفة في الهجوم الأول السوق وإحدى السيارات المدنية، في منطقة مكتظة بالمتسوقين والباعة، دون وجود مظاهر أو تجمعات عسكرية، وفق المعلومات الأولية الموثقة.
وأضافت أن القصف أسفر عن سقوط ضحايا مدنيين وإلحاق أضرار جسيمة بالمركبات وممتلكات المواطنين، قبل أن تتفاقم الجريمة باستهداف سيارة مدنية أخرى وصلت إلى موقع الانفجار بهدف إسعاف المصابين وإنقاذ حياتهم، حيث تعرضت هي ومن كانوا على متنها للقصف بالصاروخ الثاني.
وأكدت أن الاعتداء أسفر عن مقتل مدنيين اثنين وإصابة خمسة آخرين، فضلاً عن احتراق وتدمير عدد من المركبات وإلحاق أضرار بالسوق وممتلكات المواطنين.
وشددت الهيئة على أن استهداف سوق مدني مكتظ بالسكان، ثم قصف سيارة مدنية وصلت لإنقاذ الجرحى، يمثل سلوكاً إجرامياً بالغ الخطورة، وانتهاكاً جسيماً لقواعد القانون الدولي الإنساني، ويستوجب التحقيق والمساءلة، باعتباره من الأفعال التي قد ترقى إلى جرائم حرب متى ثبتت عناصرها القانونية.
انتهاكات ترقى إلى جرائم حرب وفق القانون الدولي
وفي تكييفها القانوني للواقعتين، أكدت الهيئة أن الاعتداءات المشار إليها تشكل انتهاكات جسيمة لقواعد القانون الدولي الإنساني، مستندة إلى أحكام المادة الثالثة المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949م، والمادتين (11) و(13) من البروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977م، إلى جانب القواعد العرفية للقانون الدولي الإنساني المتعلقة بحماية المدنيين والأعيان المدنية والمنشآت الطبية والعاملين فيها ووسائل النقل الطبي.
كما استندت إلى المادة (8/2/هـ) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، التي تدرج ضمن جرائم الحرب تعمد توجيه الهجمات ضد السكان المدنيين، ومهاجمة المستشفيات والأماكن المخصصة لعلاج المرضى والجرحى والوحدات ووسائل النقل الطبية المشمولة بالحماية القانونية.
وأوضحت أن تعمد استهداف المدنيين في السوق الشعبي والمنشأة الصحية والعاملين فيها قد يشكل جرائم حرب متى ثبتت عناصرها القانونية، ولا سيما القصد الجنائي، مشددة على ضرورة التحقيق في جميع الظروف المحيطة باستهداف السيارة المدنية التي وصلت لإسعاف المصابين.
وأكدت أن حماية المدنيين والمنشآت الطبية ليست التزاماً نظرياً، بل واجب قانوني ملزم، وأن انتهاكه يستوجب المساءلة، لا التبرير أو الصمت.
مطالب بتحقيق دولي وملاحقة المسؤولين وتعويض الضحايا
وطالبت الهيئة بإصدار إدانة دولية واضحة وصريحة لهذه الاعتداءات، ورفض أي محاولات لتبريرها أو التقليل من خطورتها أو طمس حقيقتها، داعية إلى تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة ومحايدة لتقصي الحقائق بشأن قصف مجمع السقيا الصحي وسوق طور الباحة، وتوثيق الأدلة المادية وشهادات الضحايا والشهود، وتحديد المسؤولين عن إصدار الأوامر والتخطيط والتنفيذ والمشاركة في تلك الاعتداءات.
كما دعت الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان والمفوضية السامية لحقوق الإنسان والمنظمات الدولية المعنية إلى اتخاذ مواقف عملية وجادة، وعدم الاكتفاء ببيانات القلق والإدانة، التي لم تعد كافية في ظل تكرار هذه الاعتداءات.
وشددت على ضرورة ملاحقة ومساءلة جميع المسؤولين عن الجرائم، بمن فيهم القادة والآمرون والمنفذون وكل من تثبت مساهمته فيها، وفقاً لقواعد المسؤولية الجنائية الفردية في القانون الدولي، إلى جانب اتخاذ تدابير عاجلة لضمان حماية المدنيين والأسواق والمنشآت الصحية والعاملين في المجال الطبي، ومنع تكرار استهداف فرق الإنقاذ والإسعاف.
وطالبت كذلك بتوفير الدعم الطبي والإنساني العاجل للضحايا والمصابين وأسر القتلى، والعمل على إعادة تأهيل المنشأة الصحية المدمرة وتعويض المتضررين عن الخسائر التي لحقت بهم.
الهيئة: لن ندخر جهداً في توثيق الجرائم وإعداد ملفات قانونية لمحاسبة مرتكبيها
وفي ختام بيانها، حملت هيئة الشؤون القانونية وحقوق الإنسان مليشيات الحوثي المسؤولية عن الاعتداءات وما ترتب عليها من خسائر بشرية ومادية، مؤكدة أن استهداف المدنيين والمنشآت الصحية والأسواق الشعبية، وملاحقة من يحاولون إنقاذ الجرحى، يمثل اعتداءً صارخاً على أبسط القواعد الإنسانية والقانونية.
وحذرت من أن الصمت الدولي إزاء هذه الجرائم يشجع على تكرارها ويمنح مرتكبيها شعوراً بالإفلات من العقاب، مؤكدة أنها لن تدخر جهداً في توثيق الانتهاكات وإعداد الملفات القانونية اللازمة ورفعها إلى الجهات الدولية المختصة، والمطالبة بمحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عنها، حتى لا يفلت مرتكبو جرائم الحرب من المساءلة والعقاب.