• آخر تحديث: الجمعة 09 يناير 2026 - الساعة:18:19:32
آخر الأخبار
آراء واتجاهات
فرض الأمر الواقع السعودي: كيف جرى تحييد مشروع استعادة الدولة الجنوبية؟
تاريخ النشر: الخميس 08 يناير 2026 - الساعة 20:33:43 - حياة عدن / توفيق جازوليت :

جاء تراجع مشروع استعادة الدولة الجنوبية في سياق قرار السعودية، يقوم على فرض أمر واقع سياسي وأمني يتعارض مع تطلعات الشعب الجنوبي إلى الحرية وتقرير المصير. فمنذ أن بات الجنوب عنصرًا حساسًا في معادلة الأمن الإقليمي والملاحة الدولية، تحوّل من قضية تحرر سياسي إلى ملف يجب ضبطه وإدارته بما يخدم المصالح الاستراتيجية للرياض، على حساب الإرادة الشعبية الجنوبية

استفادت السعودية من الحراك الجنوبي وقواه السياسية والعسكرية في مواجهة خصومها، غير أن هذا التقاطع لم يلبث أن تحوّل إلى علاقة ضبط وهيمنة. فحين بدأت ملامح مشروع جنوبي مستقل تتبلور بل تم الإعلان عن دستور الدولة في الجنوب ، جرى كبحه عسكريا ثم الإعلان عن حوار جنوبي / جنوبي بمشاركة بعض قيادات الانتقالي ينعقد خلال الأيام المقبلة و السناريو الوحيد هو إعادة هندسة الفاعلين الجنوبيين بما يضمن عدم خروجهم عن السقف المرسوم.

لا يمكن فصل الحوار الجنوبي–الجنوبي المرتقب عن هذا التحول؛ إذ لا يُطرح كآلية لتمكين المجلس الانتقالي من تقرير مصير الجنوب ، بل لإعادة ترتيب البيت الجنوبي بما يتوافق مع رؤية السعودية لأمنها وحدود نفوذها جنوبًا

.

المجلس الانتقالي سوف ينتقل من حامل قضية إلى أداة تنفيذ و لعله سيصبح المثال الأوضح على هذا التحول. فقد نشأ بوصفه تعبيرًا سياسيًا عن مطلب استعادة الدولة، لكنه سوف يعاد دوره تدريجيًا ليصبح أداة احتواء وضبط. فالدعم السياسي والاقتصادي الممنوح له سيكون قطعا مشروطًا بالتخلي عن مشروع استعادة الدولة التي ناضل من أجلها الشعب الجنوبي لعقود و استشهد من أجلها المآت من القوات الجنوبية

وبهذا، لن بعد الانتقالي مخيّرًا بين مسارات سياسية متعددة، بل محصورًا في خيار واحد: البقاء داخل المعادلة السعودية، ولو على حساب شرعيته الشعبية، أو مواجهة العزلة والضغط.

تنطلق المقاربة السعودية من حسابات استراتيجية واضحة في مقدمتها تأمين حدودها الجنوبية؛ و منع نشوء كيان سياسي مستقل قد يفتح الباب لتدخلات إقليمية أخرى؛ و السيطرة غير المباشرة على الموانئ والممرات الحيوية؛

يتم تطلق هذا المخطط من خلال الحفاظ على جنوب “مستقر ظاهريًا” حتى لو كان هشًا سياسيًا.

هذه الاو لويات الحبو سياسية من وجهة النظر السعودية، تتقدّم على أي حديث عن حقوق سياسية أو تطلعات تحررية للشعب الجنوبي، الذي يُنظر إليه بوصفه عامل مخاطرة يجب احتواؤه، لا شريكًا في صياغة مستقبل المنطقة.

في مقابل هذا النهج، سوف يتصاعد الغضب في الشارع الجنوبي، حيث باتت قطاعات واسعة تدرك أن ما يُطرح من تسويات لا يلبّي الحد الأدنى من تطلعاتها. فغياب أي أفق سياسي واضح، كشفت حدود نموذج “الاستقرار المفروض”، وعمّقت القناعة بأن القضية الجنوبية جرى تهميشها عمدًا.

هذا الضغط الشعبي سيضع المجلس الانتقالي، أمام اختبار صعب: إما الاستمرار في تنفيذ الإملاءات السعودية ، أو مواجهة الشارع الذي لم يعد يرى في التسويات القائمة سوى إعادة إنتاج لوضع تابع.

في هذا الإطار سوف تتسع الانقسامات داخل المجلس الانتقالي بين تيار براغماتي يبرر القبول بالأمر الواقع باعتباره “الخيارات الممكنة”، وتيار آخر يرى في ذلك تفريطًا صريحًا بجوهر القضية الجنوبية. ومع غياب أفق سياسي حقيقي، تتحول هذه الانقسامات إلى صراع على القيادة والشرعية، ما يزيد من هشاشة المشهد الجنوبي.

فرض الأمر الواقع السعودي لن يؤدِّ إلى حل القضية الجنوبية، بل إلى تجميدها وإفراغها من مضمونها. والسيناريو الذي يُدفع باتجاهه اليوم، والقائم على الحفاظ على المجلس الانتقالي ككيان سوف يعاد تشكيله وربما بقيادة جديدة أكثر توافقًا مع التوجهات السعودية، قد يحقق استقرارًا مؤقتًا، لكنه يحمل في طياته بذور اضطراب أعمق. فالمشاريع الوطنية لا تُلغى بالإدارة، وتطلعات الشعوب لا تُختزل في ترتيبات أمنية، وما جرى فرضه بالقوة السياسية قد يُعاد فتحه يومًا ما تحت ضغط واقع أكثر قسوة

التعليقات
شارك برأيك
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص

الصحافة الآن