
كشفت تقارير حقوقية، محلية ودولية، عن تراجع حاد ومقلق في مشهد الحقوق والحريات باليمن، مسلطةً الضوء على منحى متصاعد من الانتهاكات التي طالت المدنيين والعسكريين في المحافظات الجنوبية مؤخراً، على وقع تفاقم أزمة الشراكة بين مجلس القيادة الرئاسي والمجلس الانتقالي الجنوبي.
وأفاد تقرير حديث صادر عن 7 منظمات حقوقية محلية، بمقتل 123 شخصا، معظمهم من أفراد القوات الموالية للمجلس الانتقالي الجنوبي، بينهم 20 مدنيا من ضمنهم نساء وأطفال، فضلا عن إصابة 457 آخرين، خلال المواجهات والقصف الجوي الذي شهدته حضرموت ومحافظة المهرة، وصولا إلى محافظة الضالع، أواخر العام الماضي ومطلع العام الجاري.
"الجنوب تحت النار"
وأوضح التقرير الذي حمل عنوان: "الجنوب تحت النار"، أن القوات التابعة لمجلس القيادة الرئاسي، أسرت 92 جندياً من القوات الموالية للانتقالي، في حين تعرّضت 3 سيارات إسعاف للاستهداف المباشر أثناء تأدية مهامها الإنسانية، إلى جانب تضرر 62 منشأة مدنية.
وأشار التقرير المدعوم بشهادات ميدانية، إلى أن الانتهاكات لم تقتصر على القتل خارج نطاق القانون، بل امتدت لاحقا لتشمل قمع التظاهرات السلمية في محافظات الجنوب، التي خرجت للتنديد باستهداف القوات الجنوبية وحاملها السياسي، ممثلا بالمجلس الانتقالي الجنوبي، الذي أغلقت مقراته ومكاتبه.
ووفق التقرير، أسفرت عمليات القمع التي نفذتها السلطات في حضرموت وشبوة والعاصمة المؤقتة عدن، عن مقتل 7 محتجين وإصابة 53 آخرين، فضلا عن اعتقال واختطاف أكثر من 50 مدنيا، بينهم إعلاميون وقاصرون.
وأكدت المنظمات الحقوقية أن هذه الممارسات "لا يمكن النظر إليها كحوادث فردية معزولة"، بل تحمل طابعا منهجيا منسّقا، "يعكس سياسات رسمية، تنتهك الالتزامات الدولية لحقوق الإنسان وقواعد القانون الدولي الإنساني".
تقليص الحلول
ولا تقف تداعيات هذه الممارسات عند حدودها القانونية أو السياسية، بل تمتد لتطال البنية الاجتماعية؛ إذ تسهم في تآكل ثقة المواطنين بالمؤسسات الرسمية، وتعزز من مشاعر انعدام الأمان؛ ما قد يهيئ بيئة خصبة لموجات جديدة من التوتر والعنف، في ظل غياب آليات المساءلة والعدالة.
ويرى خبير الشؤون العسكرية، العقيد محسن الخضر، أن لجوء السلطات إلى استخدام المقاربة القمعية الصارمة في تعاملها مع المطالب السياسية، يرجّح إنتاج موجات متصاعدة من الغضب والاحتقان الشعبي؛ ما ينذر بتقويض حالة الاستقرار الاجتماعي.
وقال الخضر في حديثه لـ"إرم نيوز"، إن توظيف الأدوات الأمنية في التعاطي مع ملف القضية الجنوبية، بدلا من إيجاد معالجات حقيقة، يعكس خللا في إدارة هذا الملف المعقّد، ويزيد من احتمالات الانزلاق نحو مزيد من التوترات.
وأشار إلى أن التقليل من أهمية مطالب الشارع والتضييق على حقّه في التعبير والاحتجاج السلمي، سيؤدي إلى إضعاف فرص الوصول إلى تسويات سياسية مقبولة خلال المرحلة المقبلة، في ظل استمرار تضاؤل ثقة الجنوبيين في السلطات المتعاقبة على حكم البلاد.
دعوات للتحقيق
في غضون ذلك، شددت المنظمة الدولية للبلدان الأقل نموا، خلال كلمتها أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، الثلاثاء الماضي، على ضرورة فتح تحقيق دولي في الانتهاكات التي طالت الجنوبيين عقب حالة الطوارئ، التي أعلنها رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، أواخر ديسمبر/ كانون الأول الماضي.
واعتبرت أن فرض الطوارئ الذي جاء على خلفية خلافات سياسية في مجلس القيادة، وليس استجابة لتهديد، يهدد حياة الأمة"؛ ما يجعل هذا الإجراء مخالفا للقوانين الدولية، ويحمل مخاطر تتعلق بسوء استخدام السلطات.
وحذّرت المنظمة الدولية من "الانحراف الخطير" عن القوانين الدولية لحقوق الإنسان، معربة عن مخاوفها بشأن "عدم الالتزام بروح إعلان فيينا".
وفي المقابل، اتهمت منظمة "هيومن رايتس ووتش" في تقرير لها الأسبوع الماضي، الحكومة اليمنية باستخدام "القوة المفرطة" ضد المحتجين، ودعت إلى إجراء تحقيق عاجل وشفاف، لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وبما يضمن احترام حرية التعبير.
مسار عنيف
من جهته، يقول الناشط السياسي باسم الشعيبي، إن الجماهير الجنوبية تنظر إلى قرار "حلّ المجلس الانتقالي الجنوبي" واستبعاد قياداته، بوصفه استهدافا مباشرا للقضية الجنوبية، وبالتالي فإن أي تعامل أمني لن يفضي إلى احتواء الأزمة، بل قد يعمل على تسريع تصاعدها وتوسّع رقعتها.
وأشار الشعبي في حديثه لـ"إرم نيوز"، إلى أن تجارب الماضي تؤكد محدودية فاعلية الحلول الأمنية، مستحضرا بدايات الحراك الجنوبي حين تحوّلت مطالب الحقوقية للمبعدين من وظائفهم قسريا، إلى حركة شعبية واسعة نتيجة التعاطي القمعي معها.
وذكر أن السياق الحالي الراهن أكثر صعوبة، في ظل تلاشي بنية الدولة المركزية وضعف مؤسساتها، رغم ما قد تحظى به من دعم خارجي، لافتا إلى أن الجنوب يمتلك اليوم معطيات ميدانية مختلفة، أبرزها وجود تشكيلات عسكرية نشأت مؤخرا، وقد لا تظل في حالة انكفاء إذا استمرت الضغوط.
وأكد الشعبي أن الشارع الجنوبي لا يزال متمسكا بسلمية تحركاته، "لكن استمرار إدارة المشهد بالأدوات الأمنية الانتقامية، يدفع نحو مسارات أكثر تعقيدا، وقد تفتح الباب أمام جولات عنف يصعب احتواؤها في ظل هشاشة المشهد العام".