
تسلط التصريحات المنسوبة إلى قيادات في الحرس الثوري الإيراني والأخرى الصادرة من الحوثي في اليمن، الضوء مجددًا على طبيعة العلاقة بين الطرفين، في وقت تتصاعد فيه التوترات الإقليمية، وسط بحث طهران عن أدوات نفوذها في المنطقة.
وبين الإشارات المتبادلة من الجانبين، بخصوص تفعيل دور الحوثيين وانتظار اللحظة المناسبة لانخراطهم في الحرب والتنسيق الكامل في هذا الجانب، تبقى اليمن والمناطق الخاضعة لسيطرة الميليشيات، "رهينة" للاعتبارات الإيرانية التي تُحرك فيها أبرز أدواتها طبقًا لما تقتضيه مصلحتها وفق مجرى تطورات الحرب، دون النظر للانعكاسات "الكارثية" المُحتملة.
ويرى خبراء يمنيون، أن العلاقة بين طهران والحوثيين، لم تعد تقتصر على الدعم السياسي أو العسكري التقليدي، بل تمتد إلى مستويات أعمق تتعلق بتوجيه القرار العسكري وتحديد توقيتات التصعيد، ضمن منظومة إقليمية تديرها إيران عبر شبكة من الحلفاء والكيانات المُسلحة.
وقال الخبير في الشؤون العسكرية العميد ياسر صالح، إن التصريحات واستخدام لغة التهديد لا تكشف جديدًا فيما يتعلق بطبيعة العلاقة بين طهران والحوثيين، مشيرًا إلى أن الحوثيين منذ سنوات يُنظَر إليهم كجزء من منظومة النفوذ الإيراني.
ولفت صالح، إلى أن "الميليشيا الحوثية لا تمتلك قرار السلم والحرب، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالعمليات التي تخدم المصالح الإيرانية بمستوياتها السياسية والعسكرية والفكرية"، مؤكدًا أن "طبيعة العلاقة بين الطرفين قائمة على التوجيه من جانب طهران، والتنفيذ الفوري (الانصياع) من الجانب الحوثي".
وأوضح خلال حديثه لـ"إرم نيوز"، أن القرار العسكري المرتبط بالأجندة الإقليمية لإيران كان غالبًا ما يُدار عبر فيلق القدس التابع للحرس الثوري، الذي كان يتولى مهام الإشراف الكامل على إدارة العلاقات مع الأذرع المسلحة التابعة لها.
وأضاف صالح، أن القائد السابق لفيلق القدس قاسم سليماني، لطالما لعب دورًا محوريًّا في تنسيق عمليات ما يُعرف بمحور إيران في المنطقة، مُشيرًا إلى أن هذا الجهاز كان يعمل بشكل شبه مستقل ويرتبط مباشرة بالمرشد الأعلى الإيراني؛ ما جعله بمنزلة "وزارة خارجية أمنية" لإدارة علاقات إيران مع الجماعات الحليفة خارج حدودها.
ونوه الخبير العسكري، إلى أن الضربات التي استهدفت قيادات مرتبطة بفيلق القدس في السنوات الأخيرة إضافة إلى اغتيال سليماني، قد أثّرت جزئيًّا في آلية إدارة هذا المحور؛ ما أدّى إلى إعادة ترتيب داخل دوائر القرار الإيرانية المسؤولة عن إدارة الأذرع العسكرية، بما في ذلك الحوثيون في اليمن.
كما لفت إلى أن المسؤول الإيراني عبدالرضا شهلائي، يُعد من أبرز الشخصيات المرتبطة بإدارة الملف اليمني داخل الحرس الثوري، وسط تضارب في المعلومات حول مكان وجوده في الوقت الراهن.
ومن جهتها، ترى الباحثة السياسية ميساء شجاع الدين، أن "التأثير الإيراني في القرار العسكري للحوثيين واضح، خصوصًا فيما يتعلق بالتحركات المرتبطة بالصراعات الإقليمية".
وبحسب شجاع الدين، فإن "العلاقة بين الطرفين لا تأخذ دائمًا طابع الأوامر المباشر، بل تقوم غالبًا على التنسيق بين الطرفين في إطار رؤية مشتركة"، حدّ تعبيرها.
وقالت في سياق حديثها لـ"إرم نيوز"، إن "الحركة الحوثية قد تنخرط في أي تصعيد إقليمي مرتبط بإيران، لكن توقيت هذا الانخراط غالبًا ما يأتي ضمن مراحل محسوبة من التصعيد".
وطبقًا للباحثة السياسية، فإن "طهران تعتمد إستراتيجية تقوم على استخدام أوراق الضغط تدريجيًّا، في سياق صراع طويل الأمد؛ ما يُفسّر تأخر تدخل الحوثيين مقارنة بجبهات أخرى في المنطقة".
وتستمد ميليشيات الحوثي، أهميتها بالنسبة لإيران من قدرتها على التأثير في الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وهو ما يمنح طهران أداة ضغط جيوسياسية، إضافة إلى جانب نفوذها في مضيق هرمز.
ومن جانبه، أشار العميد ياسر صالح، إلى أن "التلويح باستخدام هذه الورقة يسمح لإيران بممارسة ضغط مضاعف على خصومها، خصوصًا إذا ترافق ذلك مع تصعيد متزامن في أكثر من ممر بحري إستراتيجي".
وبحسب تقديره، فإن "أي تعطيل واسع لحركة الملاحة في باب المندب، قد ينعكس بشكل مباشر على الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمدا؛ ما قد يدفع قوى دولية وإقليمية إلى التدخّل للحد من التصعيد".
بدورها، ترى الباحثة ميساء شجاع الدين، أن البحر الأحمر يُمثّل الساحة الأبرز التي يُمكن أن يستخدمها الحوثيون في أي تصعيد مرتبط بالصراع الإقليمي، نظرًا لأهمية الموقع الجغرافي الذي يُسيّطرون عليه على الساحل الغربي لليمن.