
رئاسة استئناف العاصمة.. العقل الميداني المفقود في تشكيل مجلس القضاء الأعلى.
في النظم القضائية العريقة لا يُعد تشكيل مجلس القضاء الأعلى مجرد تجميعٍ لرتبٍ إدارية بل هو هندسةٌ دقيقة تهدف إلى مزج الخبرة الفنية بالثقل الجغرافي والسيادي. ومن هنا برزت سُنة قضائية دولية تقتضي بأن يكون رئيس محكمة استئناف العاصمة عضواً أصيلاً في مجلس القضاء الأعلى وهو ما نلمسه بوضوح في دول ذات باع قانوني طويل كجمهورية مصر العربية.
إن هذا التمثيل ليس بروتوكولياً بل هو ضرورة تمليها عدة مرتكزات استراتيجية:
#أولاً: الكثافة النوعية والمركزية القضائية.
#تعتبر محاكم استئناف العواصم هي الأضخم من حيث حجم القضايا وعدد الدوائر. فهي المحك الرئيسي الذي تُختبر فيه القوانين حيث تنظر في قضايا ذات طابع سيادي، واقتصادي وأمني حساس يتركز في قلب الدولة. لذا فإن وجود رئيسها في المجلس الأعلى يضمن نقل نبض العدالة من مطبخها الحقيقي إلى طاولة صنع القرار القضائي.
#ثانياً: المرجعية الإدارية والميدانية.
#يدير رئيس محكمة استئناف العاصمة منظومة بشرية ولوجستية تفوق أحياناً إجمالي ما تديره محاكم عدة محافظات مجتمعة هذا الاحتكاك اليومي بتفاصيل العمل (من توزيع الشعب والإشراف على تجديدات الحبس وإدارة الجمعيات العمومية) يمنح المجلس الأعلى رؤية ميدانية ثاقبة تساهم في رسم سياسات قضائية واقعية وقابلة للتنفيذ.
#ثالثاً: استحقاق العاصمة المؤقتة (عدن).. ضرورة وطنية
#انطلاقاً من هذه المبادئ المستقرة عالمياً، يبرز استحقاق ملحّ في مناطق الحكومة الشرعية يتمثل في ضرورة مأسسة وجود رئيس محكمة استئناف عدن كعضو دائم في مجلس القضاء الأعلى.
#إن تطبيق هذا النموذج في عدن ليس مجرد محاكاة للأنظمة الدولية بل هو استجابة لواقع العاصمة المؤقتة التي تتركز فيها المؤسسات السيادية والبعثات الدبلوماسية والنشاط الاقتصادي الملاحي.
#إن وجود رئيس استئناف عدن في المجلس الأعلى يحقق المكاسب التالية:
1/وحدة المرجعية:
#ضمان انسجام القرارات الإدارية للمجلس مع الواقع القضائي في العاصمة التي تمثل واجهة الدولة.
2/تعزيز الهيبة:
#إشراك القيادة القضائية المباشرة لأهم دائرة استئنافية يمنح قرارات المجلس ثقلاً أكبر أمام الرأي العام ومنتسبي السلك القضائي.
3/تسريع الإصلاح: #الاستفادة من الخبرة المتراكمة لرئاسة استئناف عدن في مواجهة التحديات الراهنة التي تفرضها ظروف المرحلة.
#إن التاريخ القضائي يعلمنا أن العدالة لا تستقيم إلا بتكامل الأدوار وكما استقرت الأعراف في كبرى العواصم على جعل رئيس الاستئناف ركناً في المجلس الأعلى فإن تفعيل هذا النهج في عدن يمثل خطوة جوهرية نحو تحديث المؤسسة القضائية وضمان أن يظل ميزان العدالة في العاصمة المؤقتة منضبطاً بحكمة القيادة وقوة التمثيل.
#إن قوة القضاء لا تكمن فقط في نصوص القوانين بل في كفاءة ورمزية المؤسسات التي تدير شؤون حُماتها.