
ورقة مشتركة ترصد التحولات التاريخية والسياسية للجنوب العربي عبر 12 محوراً رئيسياً
السفير قاسم عسكر: الوعي بالجذور الحضارية أساس أي مشروع سياسي جنوبي مستقبلي
الحراك الجنوبي جاء نتيجة إلغاء مؤسسات الجنوب وطمس هويته الوطنية
التطورات منذ 2011 انعكاس مباشر لفشل مشروع الوحدة اليمنية
الدكتور صبري العلوي: مشروع الوحدة افتقر إلى الأرضية الشعبية وآليات فض النزاعات
الجنوب احتفظ بهويته السياسية والجغرافية عبر مختلف العصور الإسلامية
الصراع بين الممالك القديمة كان صراعاً بين نموذجين حضاريين مختلفين
منتدى الجنوب: القضية الجنوبية تمثل جوهر الأزمة اليمنية منذ فشل مشروع الوحدة
نظّم منتدى الجنوب لتنمية الوعي السياسي والاجتماعي في العاصمة عدن مساء الخميس 21 مايو 2026م ندوة علمية موسعة بمناسبة الذكرى الثانية والثلاثين لفك الارتباط وإعلان جمهورية اليمن الديمقراطية، تحت عنوان: "الجذور الحضارية والجغرافية للجنوب العربي ومسار فشل مشروع الوحدة وأزماته والحلول المستقبلية".
وشهدت الندوة حضوراً نوعياً واسعاً ضم شخصيات أكاديمية وسياسية ودبلوماسية وحقوقية واجتماعية وعسكرية وأمنية، حيث قدّم كل من الدكتور صبري عفيف العلوي والسفير قاسم عسكر جبران ورقة علمية مشتركة تناولت بالدراسة تاريخ الجنوب وهويته الوطنية، وإشكالية فشل مشروع الوحدة، والأزمات التي ترتبت عليه، إضافة إلى استعراض عدد من الحلول والرؤى المستقبلية، وذلك عبر اثني عشر محوراً رئيسياً هدفت إلى تأصيل السردية الجنوبية وتوثيق مسار النضال الوطني.
وافتتح السفير قاسم عسكر جبران الندوة بكلمة ترحيبية عبّر فيها عن تقديره العميق للحضور، مؤكداً أن هذه المناسبة تمثل محطة مفصلية في تاريخ النضال الجنوبي. كما شدد على أهمية الفعاليات الفكرية والعلمية في استحضار الذاكرة الوطنية وترسيخ الهوية الجنوبية، معتبراً أن الوعي بالجذور الحضارية والتاريخية يشكل أساساً لأي مشروع سياسي مستقبلي، وأن استمرارية النضال تتطلب رؤية واضحة تستند إلى حقائق تاريخية ومرجعيات قانونية وسياسية راسخة.
وتناول المحور الأول من الورقة العلمية إشكالية التسمية والتكوين التاريخي، حيث أشار الدكتور صبري العلوي إلى ورود ذكر "إرم ذات العماد" في القرآن الكريم بالقرب من عدن، و"الأحقاف" الواقعة بين عُمان وحضرموت، فيما أطلق الرومان على إقليم الجنوب اسم "العربية السعيدة". وأوضح أن مصطلح "اليمن" يمثل ـ بحسب الورقة ـ إشكالية تاريخية وسياسية، لكون النقوش المسندية لم تستخدمه كاسم علم، وإنما ورد بصيغة جغرافية "يمنات"، مشيراً إلى أن الأنظمة المتعاقبة في صنعاء قامت بنقل المصطلح إلى سياق سياسي ذي طابع احتكاري بهدف طمس الخصوصية الحضارية للجنوب.
وفيما يتعلق بأقدم مظاهر الاستيطان، استند العلوي إلى روايات ابن كثير حول سكن قابيل في "أرض نود شرق عدن"، وإلى ما أورده ابن خلدون بشأن قوم عاد بوصفهم "أقدم الأمم"، إضافة إلى الإشارة إلى قبر النبي هود في وادي حضرموت. كما أشار إلى نتائج بعثات أثرية فرنسية عثرت على نقوش وكتابات تؤكد عمق الحضارة الجنوبية واستقلاليتها التاريخية عن بقية مناطق الجزيرة العربية، بما يعكس تمايزاً مبكراً على المستويات التاريخية والجغرافية والسكانية.
واستعرض المحور الثاني الممالك الجنوبية القديمة، حيث تناول نشأة مملكة حضرموت بوصفها دولة مستقلة منذ القرن الثالث عشر قبل الميلاد، وامتداد نفوذها من الحجاز حتى ظفار، كما أشار إلى أن عهد "يدع إيل" شهد توسعاً تجارياً وصل إلى الصين وفارس وإدخال صناعة الحرير. أما مملكة قتبان فقد وُصفت بأنها أول من دوّن التاريخ عام 115 ق.م، وسنت أول قانون تجاري، فيما بلغ فن النحت فيها مستوى متقدماً قورن بالفن الإغريقي. كما تطرقت الورقة إلى مملكة أوسان التي امتد نفوذها إلى أواسط أفريقيا حتى سُمي الساحل باسم "الساحل الأوساني".
أما مملكة اليزنيين، فقد أوضحت الورقة أنها تُنسب إلى ذي يزن بن عبدان، وأن "ملشان بن أريم" قاد عام 275م حملة عسكرية أسقطت حضرموت ثم سبأ، وأسس نظام "التبع" الذي ارتبط بملوك حمير. وقدّم الدكتور العلوي تصحيحاً تاريخياً لمسار سقوط الممالك القديمة، موضحاً أن زوال أوسان وقتبان تم على يد حضرموت، بينما سقطت حضرموت على يد اليزنيين، الأمر الذي أفضى ـ وفق الورقة ـ إلى توحيد إقليم الجنوب تحت راية جنوبية واحدة وإنهاء الصراعات بين ممالك المنطقة.
ووصف المحور الثالث الصراع بين الممالك القديمة بأنه صراع وجودي بين نموذجين متباينين؛ الأول يمثل نموذج الهضبة الشمالية القائم على القوة البرية ومركزية سبأ، والثاني نموذج الساحل الجنوبي المعتمد على الملاحة البحرية والتجارة الدولية والأنظمة المؤسسية المتطورة. وأشارت الورقة إلى أن هذا الصراع تجسد في المواجهات السبئية مع أوسان وقتبان وحضرموت، قبل أن يحسمه اليزنيون لصالح النموذج الجنوبي.
كما تناول المحور الرابع الصراع الديني والاقتصادي في أواخر العصر المسندي، مستعرضاً تعدد المنظومات الدينية وتحول الصراع لاحقاً إلى تنافس بين اليهودية المدعومة فارسياً والمسيحية المدعومة بيزنطياً، وصولاً إلى أحداث نجران وعصر أبرهة. وعلى المستوى الاقتصادي، أوضحت الورقة أن حضرموت كانت المصدر الرئيس للبّان، وأن الجنوب عُرف باسم "مستودع تجارة العالم" عبر ميناء قنا (بير علي)، قبل أن ينتهي العصر المسندي بالتدخل الفارسي ثم اعتناق باذان الإسلام عام 630م.
وأكد المحور الخامس أن الإسلام منح الجنوب مكانة خاصة من خلال ارتباطه بالنبيين هود وصالح، وورود سورة "الأحقاف"، إضافة إلى الحديث النبوي الشريف: "منهم أربعة: هود وصالح وشعيب ونبيك". كما أشارت الورقة إلى أن الجنوب عُرف في العهد الإسلامي باسم "مخلاف حضرموت وشبوة"، محتفظاً بهويته المتميزة داخل الدولة الإسلامية، بما يعكس استمرار التمايز الجغرافي والسياسي للمنطقة عبر مختلف العصور الإسلامية.
كما استعرضت الورقة عدداً من القبائل الجنوبية العربية والشخصيات التي شاركت في الوفود والفتوحات الإسلامية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين، ومن أبرزها قبائل السكاسك، والحارث بن كعب، والسكون، ويافع، إلى جانب عدد من الشخصيات البارزة المنتمية إليها.
وانتقل المحور السادس إلى العصر الحديث، متناولاً واقع السلطنات والإمارات الجنوبية التي بلغ عددها نحو 23 سلطنة وإمارة، إضافة إلى الغزو الإمامي الزيدي في القرن السابع عشر، والذي واجهه الجنوبيون بمقاومة استمرت قرابة ثلاثين عاماً.
واستعرضت الورقة أبرز المعارك التي دارت خلال تلك المرحلة، ومن بينها الحملة على عدن ولحج وأبين عام 1645م بقيادة الإمام الصفي أحمد بن الحسن، ومعركة ذي كرش عام 1655م، وحروب يافع الأولى بين عامي 1654 و1665م، ومعركة ردفان، وثورة يافع الكبرى (حالمين 1704-1705م)، إضافة إلى تطهير حضرموت عام 1705م، وغزوات الإمام يحيى حميد الدين خلال الفترة 1918-1948م، ومعركة "الحقفة" في ردفان.
كما تناولت الورقة مرحلة الاستعمار البريطاني الذي احتل عدن وجزيرة ميون، وأقام نظام حماية مع السلطنات الجنوبية نتيجة التفوق العسكري البريطاني، قبل أن يتم تأسيس اتحاد الجنوب العربي في خمسينيات القرن الماضي وإصدار "دينار الجنوب العربي". وأشارت الورقة إلى أن هذه المرحلة انتهت باندلاع ثورة 14 أكتوبر 1963م من ردفان بقيادة راجح بن غالب لبوزة.
وفي المحور السابع، استعرضت الورقة مراحل بناء دولة الجنوب عقب الاستقلال عن بريطانيا في 30 نوفمبر 1967م، حيث تشكلت أول حكومة برئاسة قحطان محمد الشعبي، وأُقر دستور مؤقت ذي طابع جمهوري مدني، كما تم توحيد القوات المسلحة ضمن "جيش الجمهورية". وأشارت الورقة إلى انضمام الدولة إلى جامعة الدول العربية والأمم المتحدة وحركة عدم الانحياز، واعتمادها على مرتكزات الوحدة الوطنية والدولة المدنية والعدالة الاجتماعية والتنمية والحياد الإيجابي.
أما المحور الثامن فقد تناول وثائق تأسيس مشروع الوحدة خلال الفترة (1972-1990)، حيث وصف الدكتور العلوي المشروع بأنه مشروع نخبوي لم يستند إلى قاعدة شعبية واسعة. كما استعرض سلسلة الاتفاقيات الموقعة بدءاً من اتفاقيتي القاهرة وطرابلس، مروراً باتفاقيات الجزائر وقعطبة والكويت، وصولاً إلى وثيقة عدن في نوفمبر 1989، التي اعتبرتها الورقة مجحفة بحق الجنوب بسبب صيغة المناصفة السكانية، وقصر الفترة الانتقالية، وغياب آليات واضحة لحل النزاعات أو إجراء استفتاء شعبي.
كما أشارت الورقة إلى أن تلك الاتفاقيات جاءت في سياق حربي 1972 و1979م، اللتين شهدتا مواجهات عسكرية بين جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية والجمهورية العربية اليمنية.
وتناول المحور التاسع إشكالية مشروع الوحدة خلال الفترة (1990-1994)، حيث وصفت الورقة إعلان 22 مايو 1990 بأنه "إعلان من أعلى دون تمكين شعبي"، مشيرة إلى ما اعتبرته تآكلاً للاتفاقيات نتيجة هيمنة صنعاء على مؤسسات الدولة الموحدة. كما ربطت الورقة نتائج انتخابات أبريل 1993م بحالة الرفض الشعبي لمشروع الوحدة، وفقاً لتفسير مقدمي الورقة.
كما استعرضت الورقة وثيقة العهد والاتفاق الموقعة في عمّان بتاريخ 20 يناير 1994، بوصفها آخر محاولة سياسية لتجنب الحرب، لكنها ـ بحسب الورقة ـ فشلت نتيجة عدم تنفيذ بنودها وإعلان الحرب على الجنوب في 27 أبريل 1994م.
وأوضح المحور أن التصعيد العسكري أدى إلى إعلان فك الارتباط وعودة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في 21 مايو 1994م، كما أشار إلى صدور قراري مجلس الأمن الدولي 924 و931 اللذين طالبا بوقف إطلاق النار ورفع الحصار عن عدن، إلا أنهما لم يمنعا سقوط المدينة في 7 يوليو 1994م، وما أعقب ذلك من انتهاكات وعمليات نهب وتدمير للبنية التحتية، وفقاً لما ورد في الورقة.
واستعرض السفير قاسم عسكر جبران مسار المقاومة الجنوبية بعد حرب 1994م وحتى عام 2015م، بدءاً من المقاومة السلمية داخل المؤسسات، ثم المقاومة المسلحة المحدودة، وصولاً إلى الحراك الجنوبي السلمي بين عامي 2007 و2011م. وأشار إلى أن الحراك جاء نتيجة إلغاء مؤسسات الجنوب ونهب الممتلكات وطمس الهوية الجنوبية، مؤكداً أن المتقاعدين قسراً والشباب ومنظمات المجتمع المدني والقوى السياسية والدبلوماسية قادوا سلسلة من الاحتجاجات والمظاهرات والعصيان المدني، تعرض خلالها الجنوبيون ـ بحسب وصفه ـ لقمع واسع وانتهاكات متعددة.
وأكد السفير جبران أن أحداث عام 2011م وما تبعها من تطورات سياسية وعسكرية، بما فيها صعود جماعة الحوثي والمبادرات الخليجية ومؤتمر الحوار الوطني، تمثل ـ وفق رؤيته ـ انعكاساً لفشل مشروع الوحدة بين الدولتين السابقتين. كما أشار إلى خروج عشرات المليونيات الجنوبية، من أبرزها مليونية "القرار قرارنا" في 18 مارس 2013م، التي أكد المشاركون فيها حق شعب الجنوب في تقرير مصيره.
وفي المحور الحادي عشر، تناول السفير جبران مرحلة المقاومة المسلحة وتأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي خلال الفترة (2015-2026)، موضحاً أن المقاومة الجنوبية تمكنت من تحرير عدن ومحافظات الجنوب عام 2015، قبل تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي عام 2017 كإطار سياسي موحد. كما أشار إلى توقيع اتفاق الرياض في 5 نوفمبر 2019 برعاية سعودية، معتبراً أنه لم يحقق تطلعات الجنوبيين، رغم إدراج قضية الجنوب كبند مستقل في مفاوضات 2024-2025.
وأضاف أن ما وصفه بنقض الاتفاقيات واستمرار الحرب يمثل امتداداً للأزمة الناتجة عن فشل مشروع الوحدة، لافتاً إلى أن مشاورات واتفاق الرياض شكّلت في بدايتها بارقة أمل، غير أن التطورات اللاحقة ـ بحسب حديثه ـ أظهرت انحراف المسار عن أهدافه الأساسية.
كما أشار إلى أن التصعيد الجاري منذ مطلع عام 2026 شكّل تحولاً خطيراً في طبيعة العلاقات الجنوبية السعودية، رغم ما شهدته تلك العلاقات من مراحل تقارب وتعاون خلال العقود الماضية.
وفي ختام الندوة، فُتح باب النقاش والمداخلات، حيث أكد المشاركون أهمية مراجعة الواقع السياسي بصورة موضوعية بعيداً عن العاطفة والارتجال، مع ضرورة تقييم التجارب السابقة واستشراف المستقبل ووضع استراتيجيات قادرة على مواجهة التحديات الراهنة.
كما شددت المداخلات على أهمية الوثائق التشريعية والقانونية التي عرفتها دول وسلطنات الجنوب، واعتبارها دليلاً على العمق المدني والمؤسسي للتجربة الجنوبية، إلى جانب التأكيد على أهمية الاصطفاف الوطني لمواجهة التحديات والمخاطر التي تواجه المشروع الوطني الجنوبي.
واختُتمت الندوة باستعراض أبرز التحديات والفرضيات المتعلقة بالدولة الجنوبية المنشودة، والتي تمثلت في تحقيق السيادة على حدود ما قبل 22 مايو 1990م، وبناء مؤسسات وطنية ودولة مدنية ديمقراطية قائمة على العدالة الانتقالية والاستفادة من الموارد الاقتصادية، مقابل تحديات ترتبط بالتدخلات الإقليمية والدولية والانقسامات الداخلية والإرث السياسي للصراع والوحدة.
وخلصت الندوة إلى مجموعة من النتائج، أبرزها اعتبار القضية الجنوبية جوهر الأزمة اليمنية، والتأكيد على امتلاك الجنوب لتاريخ وهوية ودولة سابقة معترف بها دولياً خلال الفترة (1967-1990)، إضافة إلى اعتبار مشروع الوحدة قد فشل نتيجة اختلالات بنيوية وسياسية، مع التأكيد على أن المجلس الانتقالي الجنوبي يمثل الإطار السياسي الأوسع للقضية الجنوبية في المرحلة الراهنة.
أما التوصيات، فقد شملت الدعوة إلى الاعتراف بحق شعب الجنوب في تقرير مصيره تحت إشراف أممي، وتفعيل قراري مجلس الأمن 924 و931 كمرجعية قانونية، إلى جانب المطالبة بإنشاء آلية دولية للعدالة الانتقالية، وإعادة الممتلكات المنهوبة، وتعويض المتضررين، وبناء علاقات مستقبلية قائمة على حسن الجوار والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والالتزام بالمواثيق الدولية.
ادارالندوه الدكتور/عارف السيدي المديرالتنفيذي للمنتدى